
الحرب تُدخل قطر العالقة بين أميركا وإيران في لحظة مراجعة حاسمة… رأت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أنه “يمكن النظر الى دولة قطر في الخليج العربي لكي نفهم حجم الأضرار الجانبية العالمية الناتجة عن الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، فقد سعت الحكومة القطرية، وهي حليف وثيق للولايات المتحدة ووسيط طويل الأمد بين واشنطن وطهران، إلى تجنب اندلاع الحرب، وعندما فشلت هذه المساعي، حذّر المسؤولون القطريون من مخاطر صراع طويل الأمد”.
وأشارت إلى أن “قطر واجهت أكثر من 700 هجوم صاروخي وطائرة مسيرة إيرانية من بين الهجمات التي استهدفت دول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية، وأجبرت هذه الهجمات قطر على تعليق إنتاج الغاز الطبيعي، الذي يشكّل مصدر ثروتها الضخمة ويؤمّن عادةً نحو خُمس الإمدادات العالمية، وكان ذلك واحدًا من سلسلة اضطرابات سببتها الحرب وأرسلت موجات صدمة اقتصادية حول العالم، فقد أُعلن عن وقف هش لإطلاق النار في السابع من نيسان، ما أدى إلى تعليق الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران وردود إيران الانتقامية ضد إسرائيل والدول العربية الخليجية، ولكن الحرب ضربت صميم مصالح قطر حتى لو صمدت الهدنة، وأربكت الاقتصاد وزعزعت سمعة البلاد باعتبارها ملاذًا آمنًا للأعمال”.
ونقلت الصحيفة عن محللين تأكيدهم أن “الحكومة القطرية ستضطر الآن إلى تقبّل حقيقة مريرة، فالعلاقات القوية مع الولايات المتحدة، وكذلك العلاقة الودية مع إيران، لم تمنع وقوع الضرر عليها، وتعكس حالة قطر الوضع المعقّد الذي وجدت فيه دول الخليج نفسها خلال الحرب، إذ وجدت هذه الدول نفسها عالقة بين حليفها الرئيسي وجارها القوي، وهي مضطرة الآن إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الأمنية”.
وأشار راشد المهندي، نائب رئيس مركز أبحاث السياسة الدولية في قطر، إلى أن الحرب أحدثت حالة من “الصدمة الاستراتيجية” لقطر وجيرانها، وأضاف: “كان هناك افتراض بأن خطوة كبيرة كهذه في المنطقة، مثل بدء حرب مع إيران، ستحدث على الأقل بعد التشاور مع دول الخليج، وكنا نعتقد أن لدينا علاقة عمل أفضل مع الولايات المتحدة”، ولفت إلى “أن مستوى العدوان الإيراني على عواصمنا ومدننا وبنيتنا التحتية كان جنونيًا” في الوقت نفسه.
وأوضحت الصحيفة أنه “رغم أن العديد من الدول العربية الخليجية كانت تاريخيًا على علاقة عدائية مع إيران، فإن قطر، إلى جانب السعودية والإمارات العربية المتحدة، استثمرت قدرًا كبيرًا من رأس المال السياسي في السنوات الأخيرة لبناء علاقات أكثر دفئًا معها، وقد رأى كثير من المسؤولين الخليجيين في ذلك الطريقة الأكثر براغماتية لاحتواء التهديد الإيراني. أما الآن، فقد بدأت كل هذه الدول بإعادة تقييم نهجها تجاه إيران، فدولة قطر، وهي شبه جزيرة تقارب مساحتها مساحة ولاية كونيتيكت الأميركية، لا يتجاوز عدد مواطنيها 400 ألف نسمة، وتجد نفسها أصغر بكثير من القوى الإقليمية المحيطة بها: إيران عبر الخليج، والسعودية على حدودها الغربية، وقد شكّلت مخاطر كونها دولة صغيرة في منطقة مضطربة مسارها السياسي لعقود، وقد اعتمدت العائلة الحاكمة لحماية البلاد على علاقتها مع الولايات المتحدة، التي تمتلك قاعدة جوية كبيرة في قطر وتعهدت بالدفاع عنهان كما سعى المسؤولون القطريون إلى جعل بلادهم عنصرًا لا غنى عنه في الاقتصاد العالمي والدبلوماسية الدولية، من خلال لعب دور الوسيط مع أطراف صعبة مثل إيران وروسيا وحركة حماس الفلسطينية في غزة”.
ولفتت إلى أن “الحكومة حاولت في الآونة الأخيرة أيضًا بناء علاقات وثيقة مع الرئيس دونالد ترامب، حيث أهدته طائرة من طراز بوينغ 747. كما أبرمت شركة عقارية مملوكة للحكومة القطرية العام الماضي صفقة مع “منظمة ترامب” وهي شركة عائلة ترامب، لبناء ملعب غولف يحمل علامة ترامب في قطر، وعندما زار ترامب قطر في ايار الماضي، وقّع اتفاقًا مع المسؤولين هناك “لإيجاد تبادل اقتصادي بقيمة لا تقل عن 1.2 تريليون دولار” بحسب ما أعلن البيت الأبيض، ولكن بالرغم من كل ما تقدم لم تستطع قطر سوى ان تمارس قدرًا ضئيلًا من التأثير على حرب شاركت فيها بشكل مباشر”.
ورأى محللون أن الإدراك غير المريح بأن إسرائيل تبدو أكثر تأثيرًا على قرارات ترامب من قادة الخليج قد تردد صداه في قصور الحكم الخليجية، حيث أشارت الباحثة سينم جنكيز من مركز دراسات الخليج في جامعة قطر إلى “أنها لحظة كاشفة جدًا لدول الخليج. سيكون هناك إعادة تفكير كبيرة للغاية”، ومع ذلك، فإن هناك حدودًا صارمة لمدى هذا التغيير، لأن معظم دول الخليج لا تملك بديلًا عمليًا للحماية الأميركية.
واعتبرت دينا إسفندياري، المسؤولة عن اقتصاديات الشرق الأوسط في بلومبرغ إيكونوميكس، “أنهم يعتمدون عليها ببساطة، وليس لديهم الكثير مما يمكنهم فعله”. وأضافت: “كما كان الأمر بمثابة صفعة لهم عندما اعتقدوا أن لديهم نفوذًا، خصوصًا على إدارة ترامب، ثم تبيّن بوضوح أن هذا النفوذ كان ثانويًا مقارنة بنفوذ إسرائيل”.
وأوضحت الصحيفة أن أنظمة الدفاع الجوي خففت من الخسائر البشرية في قطر، إذ اعترضت معظم الهجمات، ولم تعلن السلطات القطرية عن سقوط قتلى من المدنيين، ومع ذلك، كان التأثير واضحًا، فقد تراجع قطاع السياحة، وتوقفت طائرات الخطوط الجوية القطرية التي كانت تعبر العالم وتتوقف في الدوحة عن العمل، كما غادر العديد من المقيمين الأجانب القادرين على ذلك، وتعرض قطاع الطاقة، وهو الأهم في قطر، لأقسى الصدمات، فقد أوقفت شركة قطر للطاقة، المملوكة للدولة، إنتاج الغاز الطبيعي المسال في موقعها الرئيسي في رأس لفان في وقت مبكر من الحرب، ولم تتمكن الشركة من تصدير الغاز بأمان عبر مضيق هرمز، وهو الممر البحري الوحيد الذي يصل عبره الغاز القطري إلى الأسواق العالمية.
ورأى فاروق سوسة، وهو خبير اقتصادي يتابع شؤون الشرق الأوسط في بنك غولدمان ساكس، أن قطر نفسها قادرة على تحمّل الضربة التي أصابت ميزانيتها، معتبراً أن “الخبر الجيد هو أن القطريين يمتلكون احتياطيات مالية ضخمة”، لكن ما يزال غير واضح ما ستكون عليه العواقب بالنسبة لنموذج قطر بوصفها مركزًا للعمالة الأجنبية والمستثمرين والسياح، وأضاف سوسة: “ربما يكون الاعتقاد بأن الثقة قد فُقدت إلى الأبد ولن يعود أحد مبالغة كبيرة. فالأمر سيعتمد على شكل النظام الإقليمي بعد الحرب”.