متفرقات

حين تحوّل الأطفال إلى تجربة.. قصة ثلاثة أخوة دفعوا ثمن فضول طبي بلا رحمة!

حين تحوّل الأطفال إلى تجربة.. قصة ثلاثة أخوة دفعوا ثمن فضول طبي بلا رحمة!… هذه ليست قصة مؤثرة فقط. هي قصة مخيفة لأنها حقيقية. في صيف عام 1961، وُلد ثلاثة أطفال متطابقين في نيويورك: إدوارد، ديفيد، وروبرت. ثلاثة وجوه واحدة، وثلاثة قلوب بدأت النبض في اللحظة نفسها. وُلدوا لأم شابة، غير متزوجة، في وضع اجتماعي هش. امرأة سلّمت أبناءها للتبنّي معتقدة أنها تمنحهم فرصة حياة أفضل. لكنها لم تُبلَّغ أن ما أنجبته كانوا ثلاثة أطفال متطابقين، ولم يُخبرها أحد أن أبناءها سيُفصلون عن بعضهم عمدًا، أو أنهم سيُستخدمون في تجربة نفسية سرّية.
منذ اللحظات الأولى بعد الولادة، اتُّخذ قرار غيّر مصيرهم.
لم يكن خطأ إداريًا، ولا نتيجة فقر، ولا ظرفًا طارئًا.
كان قرارًا محسوبًا، صامتًا، ومقصودًا.
عملية التبنّي تمت عبر وكالة Louise Wise Services، التي تعاونت سرًا مع الطبيب النفسي بيتر نيوباور. الهدف لم يكن حماية الأطفال، بل خدمة دراسة نفسية أرادت الإجابة عن سؤال قديم: هل الإنسان تصنعه جيناته أم بيئته؟
الطريق إلى الإجابة كان صادمًا.
تم فصل الإخوة الثلاثة ووضع كل واحد منهم في عائلة من طبقة اجتماعية مختلفة، وكأنهم عناصر تجربة مخبرية لا أطفالًا من لحم ودم.

إيدي نشأ في أسرة عاملة في لونغ آيلاند.
ديفيد كبر في بيت من الطبقة المتوسطة في كوينز.
بوبي تربى في عائلة ميسورة في منطقة راقية من لونغ آيلاند.

لم تُخبر أي عائلة بالحقيقة. قيل لهم فقط إن باحثين سيزورون الطفل دوريًا لمتابعة تطوره. لكن تلك الزيارات لم تكن بريئة ولا بسيطة. كانت اختبارات ذكاء، تقييمات نفسية معمّقة، تصويرًا بالفيديو، وأسئلة دقيقة تتسلل إلى عقل طفل لا يفهم لماذا يُفحص أصلًا. وعندما حاول بعض الآباء السؤال، قوبلت استفساراتهم بالغموض. وكأن المعرفة ليست من حقهم، وكأن الأطفال ملك للدراسة لا لأهلهم.

مرت تسعة عشر سنة، وكل واحد من الإخوة يعيش حياته معتقدًا أنه وحيد. لا يعلم أن له شقيقين يحملان ملامحه نفسها، وضحكته نفسها، وربما اضطراباته ومخاوفه نفسها.

حين تدخلت الصدفة .

عام 1980، التحق بوبي بكلية مجتمعية في شمال ولاية نيويورك. هناك، بدأ طلاب غرباء يحيّونه بحرارة وينادونه باسم “إيدي”. كانوا متأكدين أنه شخص يعرفونه.

خلال أيام، حصل اللقاء.
الصدمة كانت لا تُوصف.
ثلاثة وجوه متطابقة.
حركات متشابهة.
صوت واحد بثلاثة أصداء.

القصة انتشرت بسرعة هائلة في وسائل الإعلام. وعندما رأى ديفيد صورتهما في الصحف، شعر كأنه ينظر إلى مرآتين تعكسان وجهه. تواصل معهما، واكتمل المشهد الذي بدا كأنه معجزة مؤجلة.
تحولوا إلى ظاهرة إعلامية. برامج حوارية، أغلفة مجلات، وضحكات متشابهة أسرت الجمهور. حتى أنهم افتتحوا مطعمًا أطلقوا عليه اسم “الثلاثي”. لكن خلف الأضواء، كانت الحقيقة أثقل بكثير.

تفريقهم لم يكن حادثًا عابرًا، بل جزءًا من دراسة قاسية. نتائجها أُودعت في أرشيف جامعة ييل، ومُنع الاطلاع عليها حتى عام 2065 أو 2066. كأن الحقيقة نفسها حُبست، لا لحماية الخصوصية فقط، بل لتأجيل المحاسبة.

الثمن النفسي كان مدمرًا.
الإخوة الثلاثة عانوا من الاكتئاب واضطرابات نفسية عميقة. إيدي تحديدًا أُصيب باضطراب ثنائي القطب، وخضع لعلاج بالصدمات الكهربائية. وفي عام 1995، أنهى حياته وهو في الثالثة والثين فقط. موته لم يكن مأساة شخصية فحسب، بل نتيجة مباشرة لتجربة تجاوزت كل حدود الإنسانية.
هذه القصة عادت إلى الواجهة عالميًا عبر الفيلم الوثائقي Three Identical Strangers، الذي كشف تفاصيل التفريق، ودور الوكالة، وصمت المؤسسات، واستغلال أم وحيدة لم تُمنح حق المعرفة أو الاختيار.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله:
أي علم هذا الذي يُبنى على تدمير طفولة؟
وأي أخلاقيات تسمح لطبيب ومؤسسة بأن يفصلوا إخوة حديثي الولادة فقط لإشباع فضول علمي؟

ما حدث لم يكن بحثًا بريئًا، بل انتهاكًا صارخًا للثقة والإنسانية. لم يُسأل الأطفال، ولم تُخبر الأم، ولم تُمنح العائلات حق الرفض. الجميع كانوا خارج المعادلة، باستثناء التجربة.

هذه ليست قصة ثلاثة إخوة فقط.
هي قصة عن العلم حين يفقد ضميره، وعن الحد الفاصل بين المعرفة والجريمة، حين يُمحى الإنسان لصالح النتيجة.

إقرأ أيضاً: آليات حفر من الاتحاد الأوروبي للجيش اللبناني

زر الذهاب إلى الأعلى