اخبار لبنانرياضةمحلية

حين تصبح كرة القدم “حياة”.. ما بين النجمة والجمهور  قصة حب “متعبة”

على مدرج فريق النجمة، لا يجلس الناس لتمضية الوقت وحسب.. يجلسون لأنهم لا يعرفون مكانًا آخر يضعون فيه هذا الثقل كله، ثقل الأيام، وتعب البيوت، وخيبات الحياة وهمومها التي لا تنتهي.

هنا، لا يُشجَّع فريق فقط هنا تُرفع رؤوس أنهكها الانكسار، ولو لتسعين دقيقة ومعها يصبح الهتاف محاولة أخيرة لإقناع النفس بأن الفرح ما زال ممكنًا، ولو كان مؤقتًا ففي مدرج النجمة، يولد الفرح قبل صافرة البداية ويولد من الأكتاف المتلاصقة ونسيج الحناجر الهادرة، من الأعلام التي تُرفَع كأنها امتداد للقلوب، ومن الأصوات التي تسبق الحدث لتعلن أن الحياة ما زالت قادرة على الاحتفال بنفسها.

هنا، لا يأتي الناس ليشاهدوا مباراة فقط بل يأتون ليتشاركوا في طقس جماعي اسمه “الانتماء”، حيث يتحوّل الهتاف إلى موسيقى، والحركة إلى رقصة، والفرح إلى ذاكرة تُصنع على مرأى الجميع.

جمهور النجمة يعرف أن الفرح ليس ترفًا، بل حاجة لذلك يصنعه بيديه، بصوته، بحضوره.. يصنعه حين تمتلئ المدرجات، وحين يتعانق الغرباء كأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن طويل.

تصوير: هاني درويش

في هذا المدرج، تختفي الأسماء، وتبقى الوجوه المضيئة وتذوب الفوارق الاجتماعية، ويصير الفرح مشتركًا، عامًا، يشبه المدينة حين تبتسم فجأة من دون سبب واضح… لهذا الأمر، جمهور النجمة ليس جمهورًا عاديًا بل هو حالة اجتماعية رياضية خاصة تتسبب بحالة “حب متعب” بينه وبين ناديه لأنه لا يرضى إلا بأعلى درجات الرقي والسمو من لاعبيه.

كثيرون ممن هم في المدرج يأتون بعد يوم عمل قاسٍ، أو بلا عمل أصلًا.. يأتون وفي جيوبهم ما يكفي بالكاد للعودة إلى البيت.. حين ينتصر الفريق يتحول المدرج إلى كتلة مشاعر جياشة وفرح غاضب لا يشبهه فرح لكنهم يأتون، لأن النجمة تشبههم وحين يخسر الفريق، لا يعود الحزن رياضيًا يعود شخصيًا وكأن الخسارة تقول لهم من جديد إن الفرح في هذا البلد مؤجَّل، وإن ما يحبّونه لا يُكافَأ.

ومع ذلك، لا يغادرون لا ينسحبون من فصول الحكاية…

فالفريق النبيذي ليس مجرد نادٍ.. هو ذاكرة الزمان وملجأ الماضي والحاضر، ووعد صغير بالفرح في بلد يكبر فيه الوجع يوما بعد يوم، ويبقى الجمهور الشاهد الأخير على أن ما تبقّى من الحياة، ما زال يريد أن يهتف “نجمة نجمة..”.

ويمتد حب وولاء الجمهور على كافة مساحة الأراضي اللبنانية بلا استثناء، وانطلاقا من بيروت القاعدة الأولى التي شهدت انطلاق الفريق عام 1945 بشكل رسمي وصولا إلى الضاحية حيث تتركز القاعدة الجماهيرية بشكل كبير ويلفت الزائر ربط حب النجمة بالمعتقد الديني ليكتب على أحد الجدران “مع النجمة حتى ظهور المهدي..”، و”لو تحرك الهرم من الحصن الحصين ومال القلب من الشمال الى اليمين ستبقى النجمة الى أبد الابدين شوكة في عيون الحاسدين”، وقس على ذلك في كافة المحافظات الشمالية والجنوبية والبقاعية والمدن الكبيرة مثل طرابلس وبعلبك والنبطية الخ.

محطات ومواقف

ولدى جمهور النجمة محطات تاريخية لا تنسى، خصوصا عندما كانت مدرجات مدينة كميل شمعون الرياضية تعج بالجماهير النجماوية قبل الحرب الأهلية، ومن يمكن له أن ينسى لقاء أرارات الشهير عام 1974 والانتصار التاريخي لبطل لبنان على بطل الاتحاد السوفياتي بهدف سجله عبد العزيز حسن ويومها غصت المدرجات بقرابة 40 ألف متفرج، وفي العام التالي حين حضر النجم البرازيلي بيليه وخاض مباراة ودية في شعار النجمة ضد منتخب جامعات فرنسا واستقبل بحفاوة بالغة من الجمهور المتعطش لرؤية نجوم كأس العالم.

تصوير هاني درويش

ومن المحطات اللافتة حين رفع جمهور النجمة نجم الفريق جمال الخطيب وهو داخل سيارته “ترانس ام” من مرآب المدينة الرياضية وفي مرة ثانية حملوه على الأكتاف وساروا به قرابة كيلومتر وصولا إلى منزله في الفاكهاني.

ومن سمات الوفاء للفريق عملية جمع التبرعات لمعالجة النجم زياد عيتاني اواخر الثمانينات حيث تم جمع مبلغ مليون ليرة وقتها من أجل اتاحة الفرصة للاعب بأن يسافر الى فرنسا لإجراء جراحة مستعجلة.

وغالبا ما كان الاتحاد اللبناني لكرة القدم وخصوصا في فترة التسعينات يعاقب فريق النجمة لأمر ما، فيهب الجمهور بجمع التبرعات وعلى سبيل المثال عقب المباراة أمام الغريم التقليدي الأنصار منتصف التسعينات على ملعب برج حمود والتي قادها الحكم الدولي التونسي ناجي الجويني وانتهت بمشكل كيبر ولم تمر الأمور على سلام حتى اقتحمت ملالة الجيش اللبناني أرض الملعب وحصل هرج ومرج واطلاق نار، فأوصى الاتحاد بمعاقبة النجمة وتحميلهم عبء إعادة ترميم ملعب بلدية برج حمود ويومها كانت العقوبة 15 مليون ليرة (10 الاف دولار) وهب المشجعون وجمعوا مبلغ 30 ألف دولار.

ذاكرة لا تموت

ويذكر الرئيس التاريخي لنادي النجمة عمر غندور في كتابه “ومضات من عمر”: “تأثير جمهور النجمة لا يقتصر على الملعب فقط بل يمتد ليشمل الأسواق والمدن التي يزورها الفريق.

على سبيل المثال كانت اسواق طرابلس وصور وغيرها تشهد حركة تجارية نشطة كلما لعب فريق النجمة في هذه المدن وهو ما اظهر قوة تأثير الجماهير النبيذية في كل مكان يذهب اليه الفريق ليصبح للنادي دورا في انعاش الحياة الاقتصادية في العديد من المدن”.

وورد في الكتاب المذكور، أنه بفضل هذه الجماهير الهائلة أصبح نادي النجمة قادرا على تغطية تكاليف استقدام الفرق الاجنبية وكان ذلك امرا هاما في تحقيق الانجازات الرياضية، كما ان المداخيل المالية التي حققها النادي من المباريات الرسمية والودية كانت الأعلى بين الأندية اللبنانية.

من جهته قال كابتن فريق النجمة في فترة الثمانينات حسن شاتيلا لـ”الديار”: “جمهور النجمة كان منذ الستينات ولا يزال حتى اليوم هو الجمهور الأول والرقم واحد في لبنان وفي العالم العربي نسبة إلى التعداد السكاني للبنان مقارنة بباقي الدول، وحب الفريق هو بمثابة السلسلة المتوارثة من الأجداد والأباء وصولا إلى الأجيال المتعاقبة”.

يتابع: “لا أنسى كيف كان الجمهور يتابعنا بشغف وحب وكان يتابعنا خارج لبنان على سبيل المثال في تصفيات بطولة الأندية العربية في حمص وفي الاردن والعراق وحتى مصر، وكان هذا حافزا كبيرا للاعبين وبصراحة عندما يوجد ستاد كبير ومدرجاته وسيعة فلا بد لجمهور النجمة أن يملأ المقاعد بكل سهولة حتى لا تجد موطىء قدم.. هو جمهور وفي وهو الرقم الصعب في كل المباريات”.

ما يميّز جمهور النجمة أنّه غير موسمي، ولا يتقلب بحسب تقلب الظروف فحتى في أصعب الفترات الإدارية والرياضية، ظلّ المدرج الأحمر حاضرًا، ولو بأعداد أقل، لكنه حاضر بالمعنى الحقيقي للكلمة وفاء طويل النفس، وصبر يشبه صبر الجمل على تحمل العطش.

جمهور النجمة هو نتاج مدينة وانعكاس أزمة وذاكرة جماعية تبحث عن معنى وهو جمهور لا يريد الانتصار فقط، بل يريد الاعتراف والاحترام، والشعور بأن صوته مسموع.

إن لم تُفهم هذه الظاهرة اجتماعيًا، سيبقى التعامل معها أمنيًا أو انفعاليًا، وستُهدر واحدة من أقوى الطاقات الشعبية في الرياضة اللبنانية.

جمهور النجمة لا يحتاج من يشرح له معنى الفرح، هو يصنعه كل مرة يجلس فيها في المدرج، ويرفع صوته بلا تردّد يصنعه لأنه يعرف أن الحياة تُحتمل أكثر حين تُعاش جماعيًا.. هذا الجمهور لا يملأ المقاعد فقط، بل يملأ الفراغ الذي تتركه الخيبات ويمنح اللعبة روحها، والمدينة نبضها، والنادي معناه الحقيقي.

المصدر: سامر الحلبي – الديار

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى