هذا ما قاله خلف الحبتور.. لبنان حين يسقط القانون

كنب رجل الاعمال الاماراتي خلف الحبتور على صفحته على فايسبوك اليوم الاربعاء ما يلي:
ليس أخطر على دولةٍ من أزمةٍ اقتصادية عابرة، بل أخطر عليها أن يتحوّل غياب القانون إلى قاعدة، وأن يصبح الافتراء بديلاً عن الحقيقة، والتشهير بديلاً عن المحاسبة. حينها لا ينهار الاستثمار فقط، بل تنهار فكرة الدولة نفسها. ما يجري اليوم في #لبنان ليس نقاشاً إعلامياً ولا خلافاً شخصياً، بل اختبارٌ حاسم لوجود القانون من عدمه.
لبنان لم يكن يوماً بالنسبة لي مشروعاً عابراً، ولا ساحة اختبار، ولا صفقة ظرفية. هو بلد أحببته بصدق، واستثمرت فيه عن قناعة، وبقيت إلى جانبه في أصعب الظروف، حين كان البقاء فيه مخاطرة لا مكسباً. تجاوز حجم استثماراتي في لبنان ملياراً وسبعمئة مليون دولار، وعلى الرغم من النزيف المستمر والخسائر الفادحة التي تكبدناها، لم أتخلَّ عنه، ولم أُقفل مؤسساتي، ولم أترك موظفاً يواجه مصيره.
لم نفعل ذلك لأن الظروف كانت مواتية، بل لأنني أؤمن أن الإنسان أمانة، وأن مئات العائلات التي تعمل لدينا لا يجوز أن تدفع ثمن الفوضى أو الإهمال أو غياب الدولة. صبرنا كثيراً، وتحملنا كثيراً، واخترنا الاستمرار حين اختار غيرنا الانسحاب، حفاظاً على لقمة العيش وعلى الكرامة.
لكن ما يحدث اليوم في لبنان تجاوز كل الخطوط الحمراء.
لم يعد الأمر مجرد بيئة استثمارية صعبة، بل أصبح انكشافاً قانونياً كاملاً، حيث بات أي إنسان يحاول المساعدة، أو الاستثمار، أو حتى الدفاع عن نفسه، عرضة لحملات تشويه وافتراءات وتعديات إعلامية ممنهجة، بلا دليل، وبلا محاسبة، وبلا أي رادع.
وهنا لا بد من قول الحقيقة بوضوح: لا يمكن لدولة تدعو الناس إلى الاستثمار فيها أن تتخلى عن الدفاع عن أدنى حقوقهم. الاستثمار ليس منحة تُطلب، بل شراكة تقوم على الثقة، وأول شروط هذه الثقة هو الحماية القانونية.
ما نشهده اليوم هو تحوّل خطير في وظيفة الإعلام من سلطة رقابية إلى أداة تعدٍّ. الإعلام ليس محكمة، والتشهير ليس نقداً، والتبلي ليس رأياً.النقد حق مشروع، وتقديم النصيحة واجب، وهذا ما قمنا به منذ البداية. أما الإهانة، وبث الاتهامات بلا أدلة، والتحريض الممنهج، فهي أفعال يعاقب عليها القانون في أي دولة تحترم نفسها.
ولا بد من التوضيح هنا، حرصاً على الإنصاف، أن هذا السلوك لا يمثّل الإعلام اللبناني ككل. فهناك إعلام مهني ووطني نحترمه ونقدّره. إنما ما نتحدث عنه هو بعض الإعلام المأجور الذي اختار، عن سابق إصرار، أن يكون أداة تشويه وافتراء بدل أن يكون منبراً للحقيقة والمسؤولية.
ولا يمكن، ولا يجوز، لوم أي إنسان يدافع عن نفسه حين يُستهدف ظلماً. السكوت عن الافتراء ليس حكمة، بل تشجيع عليه. والكرامة ليست ترفاً يمكن التنازل عنه تحت أي ذريعة.
في هذا السياق، أعبّر عن تقديري للأخ العزيز العميد الأستاذ أحمد الجارالله، عميد الصحافة الكويتية، وللأستاذ فؤاد الهاشم، على مواقفهما المهنية الصادقة. هذا هو الإعلام الذي نحترمه: إعلام يقول الحقيقة، ويدافع عن الإنسان، ولا يتاجر بالسمعة ولا يختبئ خلف شعارات زائفة.
ولم يتوقف هذا الانفلات عن حدود الافتراء على الأفراد والمؤسسات، بل تمدد ليطال دولاً خليجية وقياداتها، في تعدٍّ مرفوض يمسّ السيادة والكرامة، ويتجاوز كل الأصول السياسية والأخلاقية. إن السماح بالإساءة إلى الدول وقياداتها، أو الزجّ بأسمائها في حملات تشويه شعبوية، لا يسيء فقط إلى العلاقات التاريخية، بل جريمة يكشف التساهل فيها مرة أخرى غياب المرجعية القانونية القادرة على وضع حدّ لهذا الانفلات.
والأخطر أن #القانون_اللبناني نفسه يُدين صراحةً الإساءة إلى دولة شقيقة أو قيادتها، ويُلزم السلطات القضائية بالتحرك عند وقوع هذا النوع من الجرائم. وفي مثل هذه الحالات، يُفترض بـ #النيابة_العامة أن تتحرك عفواً ومن تلقاء نفسها، دون انتظار شكوى أو طلب من أي جهة. ويشكّل هذا المقال بحدّ ذاته إخطاراً قانونياً واضحاً للنيابة العامة، ويُتوقّع منها، وفقاً للأصول، المبادرة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة.
أي دولة تحترم نفسها لا تسمح بأن تتحول أراضيها أو منصاتها الإعلامية إلى ساحة للتطاول على الآخرين، ولا تقبل بأن تُستباح العلاقات الدولية تحت غطاء حرية التعبير. إن الصمت الرسمي عن هذا النوع من التعديات لا يُفسَّر حياداً، بل يُقرأ ضعفاً، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن لا سقف، ولا خطوط حمراء، ولا مسؤولية.
ما يجري اليوم في لبنان هو فشل مؤسسي واضح.
الدولة غائبة، المؤسسات مشلولة، والقانون لا يُطبّق. وقد طالبتُ بشكل صريح رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء باتخاذ خطوات عملية لوضع حدّ لهذا الانفلات، لكن حتى اللحظة لم يُتخذ أي إجراء فعلي، ولا حتى خطوة رمزية تعيد الحد الأدنى من هيبة الدولة.
وهنا يجب التأكيد على مبدأ قانوني لا يقبل التأويل: تطبيق القانون ليس خياراً، ولا انتقائياً، ولا خاضعاً للمزاج العام. القانون يجب أن يُطبَّق على الجميع، وأن يكون السلطة الأعلى، لا أداة تُستخدم حيناً وتُعطَّل حيناً آخر.
هذا ليس توصيفاً شخصياً.
خبير الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان والفقر أكد أن الإفلات من العقاب والفساد متجذّران في النظام السياسي والاقتصادي اللبناني، وأن غياب المساءلة هو أحد الأسباب الجوهرية للفشل المؤسسي. كما تؤكد الأمم المتحدة أن سيادة القانون هي الأساس لأي سلام واستقرار وتقدم اقتصادي، وأن غيابها يفتح الباب واسعاً أمام الانتهاك والانهيار.
وقد لخّص الفيلسوف القانوني مونتسكيو هذه الحقيقة بدقة حين قال: “لا توجد حرية إذا لم يكن القانون فوق الجميع، ولا تقوم دولة من دون قضاء مستقل.”
الأخطر من كل ذلك أن هذا النهج لا يدمّر الاستثمار فحسب، بل يهدد مصالح أكثر من مليونيّ لبناني في دول الخليج، وملايين اللبنانيين الذين يعيشون في لبنان بفضل هؤلاء.
لن يعود أي مستثمر أو شريك أو زائر إذا استمر هذا الأسلوب. والمشكلة ليست في اللبنانيين، بل في منظومة تبتلع بفسادها وعدم مبالاتها كل من ينضم إليها.
عندما يشعر المستثمر أنه متروك، مكشوف، ومستهدف إعلامياً بلا حماية قانونية، فإن الرسالة تكون واضحة للجميع: لا دولة، ولا قانون، ولا أمان.
أقولها اليوم بوضوح ومسؤولية: لا استثمار بلا كرامة، ولا اقتصاد بلا قانون، ولا دولة بلا مؤسسات تحمي الناس قبل الشعارات.
كل حملة تشهير بلا محاسبة هي ضربة جديدة لما تبقى من ثقة وسمعة ومستقبل لبنان. وكل مرة يُترك فيها الافتراء بلا رادع، يكون ذلك مسماراً إضافياً في نعش الدولة.
لبنان يستحق أفضل من هذا. يستحق دولة تحميه، لا دولة تتفرّج. ويستحق قانوناً يُطبَّق، لا يُستعمل. وأقولها من موقع المحب لا المتخلّي، ومن موقع المستثمر المسؤول لا المتفرج: الدولة التي لا تحمي القانون، لا يمكنها أن تطلب الثقة.