صحة

إعادة برمجة خلايا عادية لتحويلها إلى “مقاتلات” للأمراض

توصل باحثون في جامعة لوند السويدية إلى تطوير ما يشبه “الكود العلمي” الذي يمكن من خلاله إعادة برمجة خلايا بشرية متوافرة بسهولة وتحويلها إلى خلايا مناعية متخصصة قادرة على مكافحة السرطان وأمراض أخرى، في خطوة قد تُحدث تحولاً كبيراً في مجال العلاج المناعي.

وأوضح الباحثون أن الجهاز المناعي يتكوّن من أنواع متعددة من الخلايا، لكل منها دور محدد في حماية الجسم من الفيروسات والبكتيريا والخلايا السرطانية. ورغم كفاءة هذا النظام عادةً، فإن بعض الأمراض، وعلى رأسها السرطان، تطور آليات معقدة للإفلات من هجمات المناعة، ما يقلل من فعالية العلاجات التقليدية.

وقال إيليا كوروتشكين، الباحث في جامعة لوند والمؤلف الأول للدراسة، إن العلاج المناعي يُعد من أكثر مجالات الطب تطوراً، مشيراً إلى أن تقنيات مثل علاج الخلايا التائية المعدلة وراثياً (CAR-T) تمثل حالياً أحد أكثر الأساليب الواعدة في علاج السرطان. إلا أنه شدد في الوقت نفسه على أن هذه العلاجات لا تنجح مع جميع المرضى، كما أن بعض أنواع الخلايا المناعية النادرة يصعب استخلاصها من دم المريض.

وبيّن كوروتشكين أن القدرة على إعادة برمجة خلايا يسهل الحصول عليها، مثل خلايا الجلد، وتحويلها إلى خلايا مناعية نادرة، قد تفتح آفاقاً جديدة لعلاج المرضى الذين لا يستجيبون للعلاجات المناعية الحالية. غير أن هذا الهدف ظل بعيد المنال بسبب عدم الفهم الكامل للعوامل التي تتحكم في هوية الخلايا ووظيفتها.

وللتغلب على هذه العقبة، طوّر فريق جامعة لوند منصة بحثية مبتكرة تضم مكتبة تحتوي على أكثر من 400 عامل مرتبط بالمناعة، جرى تمييز كل منها بعلامة جينية فريدة. وباستخدام هذه التقنية، تمكن الباحثون من اختبار آلاف التركيبات المحتملة في وقت واحد، وتتبع العوامل القادرة على تحويل الخلايا إلى أنواع محددة من الخلايا المناعية.

وقال البروفيسور فيليبي بيريرا، أستاذ الطب الجزيئي في جامعة لوند وقائد الدراسة، إن تطوير هذه التقنية استغرق أربع سنوات من العمل المتواصل. وأضاف: “هذه المكتبة تمثل الأساس لإنشاء وصفات دقيقة لإعادة برمجة الخلايا المناعية. وبحسب نوع الخلية المطلوبة للعلاج، يمكن الرجوع إلى هذا “الكتاب” لمعرفة التعليمات المناسبة”.

وتمكن الباحثون بالفعل من تحديد “وصفات” لإعادة برمجة ستة أنواع مختلفة من الخلايا المناعية، من بينها خلايا لم يكن من الممكن إنتاجها بهذه الطريقة سابقاً، مثل الخلايا القاتلة الطبيعية (NK cells)، التي تلعب دوراً محورياً في القضاء على الخلايا السرطانية.

آفاق علاجية أوسع

ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Cell Systems العلمية، حيث أشار الفريق إلى أن الهدف النهائي هو تطوير وصفات لإعادة برمجة جميع أنواع الخلايا المناعية، ما قد يسرّع ابتكار علاجات جديدة مخصصة لمكافحة السرطان وأمراض المناعة الذاتية، إضافة إلى دعم إصلاح الأنسجة.

وختم بيريرا بالقول إن الخطوة التالية تتمثل في اختبار هذه التقنية خارج نطاق السرطان، ودراسة إمكاناتها في نماذج أمراض المناعة الذاتية، تمهيداً لتطوير علاجات شخصية تتلاءم مع الخصائص المناعية لكل مريض.

زر الذهاب إلى الأعلى