اقتصادعالمي

الليرة السورية الجديدة بلا أصفار..

في خطوة وصفها الرئيس أحمد الشرع بأنها “عنوان أفول مرحلة غير مأسوف عليها وبداية جديدة”، أطلقت سوريا عملتها الجديدة عبر حذف صفرين من الليرة السورية، في مسعى لتبسيط التعاملات النقدية وتعزيز الثقة بالاقتصاد، بعد عام من سقوط نظام بشار الأسد.

وأكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أن عملية استبدال العملة هي إجراء تقني مجاني لا يؤثر في القيمة الحقيقية للعملة أو سعر الصرف.

وأوضح أن الفئات الجديدة ستتراوح بين 5 و500 ليرة، مع تصاميم تركز على المنتجات الزراعية مثل التوت والبرتقال والزيتون والقمح، بعيدا عن صور الأفراد.

وأعلن المصرف المركزي السوري، اليوم السبت، انطلاق عملية استبدال العملة الجديدة بشكل فعلي بعد تحضيرات دامت لأشهر، وتستمر هذه العملية 90 يوما قابلة للتمديد.

ويهدف هذا الإصلاح إلى تسهيل حمل النقود وتشجيع الاعتماد على الليرة في التعاملات اليومية، من خلال آلاف المنافذ المخصصة للاستبدال، إلى جانب التحويل التلقائي للحسابات البنكية.

ومع ذلك، يطرح خبراء تساؤلات حول مدى قدرة هذه الخطوة على استعادة الثقة في ظل تحديات التضخم الموروثة، وما إذا كانت ستواجه عقبات في التنفيذ على أرض الواقع.

و تحدث الدكتور أسامة قاضي، المستشار الأول في وزارة الاقتصاد السورية، عن إطلاق العملة السورية الجديدة، مؤكدًا أنها تمثل بداية لتجاوز تركة النظام السابق.

وأشار إلى أن العملة لا تحمل صور أي ديكتاتور أو رموز لما وصفه بـ”التاريخ الأسود”، معتبرًا ذلك رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد.

وأوضح قاضي أن إطلاق العملة الجديدة سيحل مشكلة جفاف السيولة التي أرّقت التجار والصناعيين، وأدت سابقًا إلى فرض سقوف على سحب الأموال من الحسابات البنكية.

وقال: “سيتم حل هذه المشكلة مع بداية العام الجديد، ويجب إلغاء كل القرارات السابقة المتعلقة بسقوف السحب، بما يشمل جميع الودائع”.

وأضاف أن هذا الإجراء سيسهم في تيسير التعاملات اليومية، حيث يصبح الدفع أسهل دون الحاجة إلى عدّ كميات كبيرة من الأوراق النقدية، كما كان يحدث عند شراء بضائع بملايين الليرات، وهي عمليات كانت تستغرق ساعات.

وقف تزوير العملة

وشدد المستشار أسامة قاضي على فوائد إضافية، من بينها الحد من تزوير العملة بفضل طباعتها بأحدث التقنيات، إلى جانب تعزيز جهود مكافحة غسيل الأموال، داعيا إلى تعاون وثيق بين الأجهزة الأمنية والمصرف المركزي لمراقبة الحدود ومنع تهريب الأموال، لا سيما تلك المرتبطة بفلول النظام السابق.

وأكد أهمية تشديد الرقابة على أسواق العقارات والذهب، إضافة إلى مراكز الصرافة والبنوك، للتحقق من مصادر الأموال.

وبشأن مهلة الـ90 يوما المخصصة لاستبدال العملة القديمة، اعتبر قاضي أنها كافية، لا سيما في القطاع العام حيث سيتم صرف الرواتب مباشرة بالعملة الجديدة.

تسهيل عملية استبدال العملة

وأشار قاضي إلى أن وجود أكثر من 60 مركزا مخصصا للاستبدال سيسهم في تسهيل العملية، لكنه أوصى بتوفير ما لا يقل عن 400 إلى 500 ماكينة سحب آلي موزعة على مختلف المحافظات، لتسريع الإجراءات وتخفيف الضغط عن البنوك ومكاتب البريد، موضحا أن أموال التجار المودعة في البنوك سيتم استبدالها تلقائيا.

وفيما يتعلق بإزالة صفرين من العملة، شدد قاضي على أن هذا الإجراء لا يعني تحسنا اقتصاديا بحد ذاته، بل هو إجراء فني يهدف إلى الحفاظ على القوة الشرائية.

وشرح أن “الورقة التي كانت بقيمة 1000 ليرة تصبح 10 ليرات، لكن قيمتها الشرائية تبقى كما هي”، مؤكدًا أن قيمة العملة تُحدَّد بحجم الإنتاج والصادرات والواردات.

وأوضح قاضي أن هذه الخطوة ستسهم في تسهيل التداول اليومي والتجارة الداخلية، إلى جانب تعزيز الثقة بالمصرف المركزي والمؤسسات المصرفية.

وفي سياق السياسة النقدية، نفى قاضي وجود علاقة مباشرة بين إطلاق العملة الجديدة وانخفاض البطالة، لكنه أشار إلى أنها ستسهم في تسريع حركة التجارة.

وأضاف أن معالجة مشكلة السيولة قد تجذب الشركات العالمية والعربية إلى السوق السورية، خاصة بعد إزالة قانون قيصر واستعادة الوصول إلى نظام “سويفت”.

وقال: “هذا سيؤدي إلى نمو اقتصادي أكبر وخلق فرص عمل من خلال زيادة الإنتاج والاستثمارات”.

تاريخ جديد للمصارف

واختتم قاضي تصريحاته بالتأكيد على أن عام 2026 يمثل بداية تاريخ جديد للمصارف السورية، مع التركيز على الشفافية والكفاءة بوصفهما ركيزتين لدعم الاقتصاد السوري.

وتأتي هذه الخطوة مستلهمة من تجارب دول مثل فرنسا وألمانيا عقب تغييرات سياسية كبرى، حيث ساعد حذف الأصفار من العملة على تسهيل الحياة اليومية وتعزيز الثقة النفسية بالعملة الوطنية، مع دعوات رسمية لتجنب أي استغلال وضمان سلاسة الانتقال.

في سوريا، حيث أصبح حمل النقود عبئًا ثقيلا، إذ تعادل أعلى فئة نقدية قديمة (5000 ليرة) نحو نصف دولار فقط، يُتوقع أن يسهم تبديل العملة في تقليص الاعتماد على الدولار وتشجيع استخدام الليرة في التعاملات اليومية.

ومع آلاف المنافذ المخصصة للاستبدال، والتحويل التلقائي للحسابات البنكية، وإلزام التجار بعرض الأسعار بالعملتين، تبدو آلية التنفيذ مدروسة.

سوريا - إدلب - تدهور الليرة السورية والقرب الجغرافي فرض على المعارضة التعامل الليرة التركية في 2020 . الجزيرة (عمار دروبي)
الأسواق الشعبية ستكون المقياس الحقيقي لنجاح أو تعثر تجربة العملة الجديدة (الجزيرة)

فرصة ذهبية

من منظور التجار، يرى إسماعيل بيور، وهو تاجر مواد غذائية في دمشق، أن العملة الجديدة تمثل “فرصة ذهبية لتسهيل البيع والشراء”، ويقول للجزيرة نت: “كنا نحمل أكياسا من النقود لإنجاز معاملة بسيطة، أما الآن فستكون الأمور أسرع وأقل ارتباكا في الحسابات”.

ويضيف علي برقومي -وهو تاجر آخر من حلب–  في حديث للجزيرة نت، أن “القطيعة مع رموز النظام السابق ستعيد الثقة وتشجع على الاستثمار المحلي بدلًا من الدولار، مما ينعش السوق ويحد من التضخم إذا نجحت الحملة الإعلامية”.

أما المستهلكون، فعبّروا عن تفاؤل مشوب بحذر. وقالت أم أحمد، وهي ربة أسرة من إدلب: “أخيرا سنحمل نقودا خفيفة في الجيب، لا أكياسا ثقيلة لشراء الخبز أو الخضار”، معتبرة أن الرموز الزراعية تعزز الثقة النفسية.

ويشاركها الرأي محمد سالم من اللاذقية، قائلا: “التبديل يبسط الحياة اليومية ويقطع رمزيا مع عصر الانهيار. إذا نجحت الرقابة في منع الاستغلال، قد نشهد استقرارا في الأسعار وتحسنا في القوة الشرائية”.

ويضيف: “هذه الخطوة ليست حلا سحريا للتضخم الموروث، لكنها بداية لبناء اقتصاد يعتمد على الليرة ويعيد الثقة تدريجيا”.

المصدر: الجزيرة
زر الذهاب إلى الأعلى