غليان إقليمي وعجز داخلي… والانتخابات تنتظر

غليان إقليمي وعجز داخلي… والانتخابات تنتظر… كتبت صحيفة “الجمهورية” نقول: المنطقة برمتها في عهدة الإحتمالات الصعبة، حيث لا صوت يعلو على صوت طبول الحرب التي تقرع على الجبهة الإيرانية التي تشهد تراكماً خطيراً للحشود العسكرية على اختلافها براً وبحراً وجواً، وتصاعداً في وتيرة التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وكذلك في وتيرة السيناريوهات الحربية، وخصوصاً تلك التي يبثها الإعلام الأميركي حول أهداف الضربة الأميركية في المنشآت النووية والصاروخية في إيران، بالتوازي مع سيناريوهات مرعبة يبثها الإعلام العبري، الذي يروّج بأنّ الضربة الأميركية لإيران، «باتت مسألة ساعات». فيما تتبدّى في مقابل ذلك حراكات إقليمية ودولية تسابق التصعيد لنزع فتيل التفجير، من دون أن تبرز حتى الآن أيّ مؤشرات حول ايّ اختراقات ايجابيّة في هذا السبيل. واما لبنانياً، فلا الخارج مأمون ويبعث على الإطمئنان، ولا الداخل مضمون خروجه من حال الإرباك والتخبّط العالق فيه، بل باب السلبيات والتعقيدات مفتوح على مصراعيه.
الحقيقة المرّة
وإذا كانت الصورة الإقليميّة والدولية، مرهون وضحها وما ستؤول اليه، بما قد يحصل من تطورات ما زالت مجهولة حتى الآن، فإنّ وجهة الداخل اللبناني هي التخبّط في حقل واسع من العِقد المتعددة الألوان والأشكال، وتباينات السياسات المتصادمة. كل ذلك يعبّر عن مرضٍ عضال يصيب البلد، وهو ما تأكّد مع الحقيقة المرّة التي تظهّرت في الساعات الأخيرة، هي انّ المواطن اللبناني محكوم بالسجن المؤبّد في قفص الأزمة، وأنّ الحكومات وحدها تتبدّل، فيما التوجّهات والسياسات هي هي، ثابتة على أمر وحيد هو إغراق البلد بوعود وشعارات، وعند الترجمة يتبدّى العجز وسوء الادارة والتقدير واستنساخ الهروب من المسؤوليّة، وهو ما تكشف جلياً في «الإنجاز الفارغ» الذي تحقق مع إقرار موازنة السنة الحالية، التي اقلّ ما يُقال فيها إنّها مخيّبة للآمال، ودون سقف الطموحات، وضبطت البلد في المسار العكسي، والمراوحة القلقة بين أنياب الأزمة وتعقيداتها المتراكمة، وما فيها من مطبّات على غير صعيد مالي واقتصادي واجتماعي ومعيشي.
وإذا كانت الحكومة تفاخر بأنّها قد حققت إنجازاً كبيراً في إعداد الموازنة وإحالتها إلى المجلس النيابي وإقرارها ضمن المهلة القانونية والدستورية، فإنّ ما حوته تلك الموازنة بشهادة الموالين والمعارضين، لا يلامس الأزمة وتعقيداتها حتى بالحدّ اليسير من العلاجات الموعودة، وأسقط الحكومة في فخ وعودها وشرخ اسطوانة الوعود التي قطعتها، والعناوين والشعارات الإنقاذية والإصلاحية التي صمّت بها آذان اللبنانيين.
الموازنة بعد إقرارها في المجلس النيابي، صارت أمراً واقعاً، ومعها يستأنف اللبنانيون مشوار المراوحة السلبية بين مطبّات الأزمة إلى حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فيما الحكومة ليس منتظراً منها «أن تشيل الزير من البير»، بل تقطيع الوقت لا أكثر، في الربع الاخير من ولايتها، الذي دخلته مع بدء سريان الإجراءات التمهيدية للانتخابات النيابية التي تحدّد موعد إجرائها في الثالث من شهر ايار المقبل للبنانيين المنتشرين، والعاشر من ايار للمقيمين.
عملياً، دخل البلد في كوما الانتخابات النيابية، التي بات محسوما أنّها ستجري وفق القانون الانتخابي النافذ، وبالتالي المرحلة مرحلة حراكات واتصالات وتحضيرات وتفاهمات وتحالفات ورصد اعتمادات وشحن وتعبئة وتزييت ماكينات وعقد حلقات، وبالتأكيد مناكفات وسجالات، ولا شيء يتقدّم على ذلك لدى القوى السياسية والحزبيبة، ما خلا الأولوية التي تفرض نفسها لإتمام الاستحقاق الانتخابي بصورة سليمة، وتتجلّى في انعقاد المجلس النيابي في جلسة تشريعية وإجراء التعديلات الضرورية على القانون الانتخابي النافذ، التي تنأى بالإنتخابات فيما لو حصلت، عن الطعن بها أمام المجلس الدستوري (البطاقة الانتخابية، الميغاسنتر، وإلغاء المادة المتعلقة بتخصيص 6 مقاعد نيابية للمغتربين، وإلغاء هذه المادة يعني حكماً تعديل مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، بإلغاء انتخابات المنتشرين في 3 أيار، وحصر إجرائها في 10 أيار).
لا وضوح
الصورة الانتخابية، لا يعتريها الوضوح الكامل، رغم التأكيد من قبل المستويات الرسميّة والرئاسيّة على إجرائها في موعدها، حيث لا يمكن الجزم بحصول الانتخابات او عدمه، ربطاً بما يثار في موازاة ذلك في الأجواء من طروحات متناقضة حول الاستحقاق الانتخابي، بين جازم بإجراء الانتخابات وجازم بعدم إجرائها. ويلخّص احد المسؤولين هذه الصورة الانتخابية بقوله لـ«الجمهورية»: «من حيث المبدأ لا أرى أي سبب لعدم حصول الانتخابات، ولكن مع الأجواء السائدة، لا استطيع ان اقول إنّها ستجري الّا حينما تحصل»!
وعلى الرغم من ارتفاع بعض الأصوات الداعية إلى تأجيل الانتخابات لسنة او اكثر، تارة بذريعة أنّ الظروف غير ملائمة لإجرائها، وتارة اخرى بالحديث عن انعدام الحماسة الداخلية لذلك، وتارة ثالثة بالحديث عن تفاهمات سياسية او رئاسية على تأجيلها، إلّا انّ مرجعاً رفيعاً نسف هذه الاجواء بتأكيده لـ«الجمهورية»، أنّ الانتخابات النيابية ستجري حتماً، ووزارة الداخلية حدّدت موعدها، وتبعاً لذلك، «من يريد تأجيلها او تطييرها فليخيط بغير هالمسلّة».
ورداً على سؤال، قال المرجع عينه: «لست اتهم احداً، كما لا اريد أن اتهم احداً، ولكن ما اريد ان أقوله هو أنني لا أستطيع أن أبرّئ طروحات تأجيل الانتخابات، سواء لسنة او اكثر من سنة، من الغايات السياسية التي تدفع إلى ذلك، او من الرهان على تطورات خارجية يعتقد انّها تستولد متغيّرات داخلية، كما لا استطيع ان أبرّئ القول بأنّ قرار إجراء الانتخابات في لبنان هو قرار خارجي. في النتيجة القرار بإجرائها اتُخذ وتحدّد موعدها، وخلال فترة وجيزة ستُعقد جلسة تشريعية حول الملف الانتخابي، يُصار خلالها إلى إدخال التعديلات على القانون الانتخابي».
وأوضح انّه «مبدئياً، مع تحديد موعد إجراء الانتخابات، سيكون لدينا مجلس نيابي جديد في الربيع المقبل»، لافتاً إلى انّ هناك طرحاً بتأجيل تقني لمدة شهرين على الأكثر، لإفساح المجال لمن يرغب من المغتربين، في الحضور إلى لبنان للمشاركة في الانتخابات. وهذا الطرح قابل للنقاش والتفاهم عليه، الّا انّه ليس محسوماً حتى الآن، وخصوصاً انّ في موازاته طرح آخر يقول بأنّ من يرغب من المغتربين بالمشاركة في الانتخابات، يستطيع ان يحضر إلى لبنان قبل الموعد المحدّد للانتخابات في 3 ايار، ويمارس حقه في الاقتراع ولا شيء يحول دون ذلك، وخصوصاً انّ جهات سياسية وغير سياسية ورجال اعمال وفاعليات، يتهافتون منذ مدة على شركات الطيران لحجز الطائرات لنقل المغتربين.
القوائم الإنتخابية
وكانت وزارة الداخلية قد اعلنت أمس، عن جهوز القوائم الانتخابية الأولية 2026-2027، حيث تمّ إرسال أقراص مدمجة تحتوي نسخاً منها إلى البلديات وإلى المختارين وإلى مراكز المحافظات والأقضية وإلى وزارة الخارجية والمغتربين، بهدف نشرها وتعميمها تسهيلاً للتنقيح النهائي. ودعت الناخبين المقيمين وغير المقيمين إلى الإطلاع عليها اعتباراً من الأول من شباط 2026 على الموقع الرسمي الإلكتروني الخاص بالمديرية العامة للأحوال الشخصية http://www.dges.gov.lb أو على نسخ القوائم الانتخابية الأولية الموجودة في مراكز المحافظات والأقضية ولدى البلديات والمخاتير وفي مختلف السفارات والقنصليات اللبنانية في الخارج. وطلبت من كل ذي مصلحة أن يتقدّم اعتباراً من الأول من شباط 2026 ولغاية الأول من آذار 2026 ضمناً إلى لجنة القيد المختصة، بطلب يرمي إلى تصحيح أي خلل بقيده في القوائم الانتخابية، كأن يكون سقط قيده أو وقع خطأ في اسمه أو لأي سبب آخر، علماً أنّ المديرية العامة للأحوال الشخصية قد أصدرت أقراصاً مدمجة تحتوي القوائم الانتخابية الأولية لكل دائرة إنتخابية، ويحق لأي شخص أن يستحصل على نسخ عنها لقاء بدل يساوي 1،000،000(مليون ليرة لبنانية فقط) يستوفى المبلغ بطابع مالي أو بإيصال مالي.
«الميكانيزم»
على انّ الملف الأمني يبقى في صدارة الأولويات الداخلية، في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على المناطق اللبنانية، التي تركّزت بصورة خاصة امس، على منطقة صديقين قضاء صور، ما ادّى إلى استشهاد مواطن، ومنطقة النيطية والزهراني التي شهدت سلسلة غارات من الطيران الحربي استهدفت منشآت مدنية ومرائب جرافات وآليات للبناء والاعمار. بالتزامن مع تحليق مكثف للطيران التجسسي في الأجواء اللبنانية وتحديداً فوق العاصمة والضاحية الجنوبية.
في هذه الأجواء، برز تطور لافت في ملف «الميكانيزم»، حيث أُعلن بعد انقطاعها عن الاجتماع لعدة أسابيع، عن أجندة اجتماعات شهرية لها، بدءاً من الاسبوع الاخير من الشهر المقبل، وذلك وفق بيان للسفارة الاميركية في بيروت، أشارت فيه إلى «انّها مع القيادة المركزية الأميركية تعيدان التأكيد على أنّ إطار التنسيق العسكري، كما تمّ تأسيسه في اتفاق وقف الأعمال العدائية المعلن في 27 تشرين الثاني 2024، لا يزال قائمًا ويعمل بكامل طاقته، بنفس الأهداف والمشاركين والقيادة». ولفتت الى أنّه «من المقرّر أن يُعقد الاجتماع المقبل لـ«الميكانيزم» في الناقورة في 25 شباط 2026. كما تمّ تحديد الاجتماعات التالية في 25 آذار و22 نيسان، و20 أيار. وستستمر هذه اللقاءات كمنتدى أساسي للتنسيق العسكري بين الأطراف المشاركة».
وأعرب مصدر رسمي عن ارتياحه لعودة استئناف «الميكانيزم» لاجتماعاتها، بما يخالف الأجواء التي سادت في الأسابيع الأخيرة وروّجت لتعطيل اللجنة وإنهاء مهمتها»، وقال رداً على سؤال لـ«الجمهورية»: «لا شك انّ تعطّل اللجنة في الاسابيع الماضية سببه إسرائيل، التي تريد اطراً جديدة، او بمعنى أدق «ميكانيزم» جديدة تتسيّد فيها، وتمكّنها من فرض قواعد ووقائع جديدة على لبنان. لكن الواضح في هذا الامر، انّ عودة اللجنة الى الاجتماع، تستجيب بصورة مباشرة للموقف اللبناني، المتمسك بلجنة «الميكانيزم»، بصورة الخماسية من دون أي تعديل، ورفضه الانسياق إلى ما تريده إسرائيل، ولاسيما لجهة نسف اتفاق وقف الأعمال العدائية، وإلزامه بقواعد جديدة، تضرب سيادة لبنان، وتثبت احتلالها للنقاط الخمس في المنطقة الحدودية».
واستدرك قائلاً: «مجرّد تحديد موعد اجتماع «الميكانيزم»، أمر إيجابي، ولكن ليس المطلوب الاجتماع لمجرد الاجتماع، بل المطلوب تبدّل نوعي وجذري في عمل اللجنة ومهمّتها، وتفعيل دورها بالضغط على إسرائيل وإلزامها بالالتزام بالاتفاق ووقف اعتداءاتها، وخصوصاً بعد إتمام المرحلة الاولى من خطة الجيش اللبناني بحصر السلاح بيد الدولة جنوب الليطاني، حيث على هذا الامر يتوقف الانتقال للمراحل التالية من هذه الخطة».
عون: تسهيل العودة
إلى ذلك، الأوضاع الأمنية، كانت مدار بحث امس بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، اضافة إلى التحضيرات الجارية لزيارة قائد الجيش إلى الولايات المتحدة الأميركية، واللقاءات التي سيعقدها مع المسؤولين الأميركيين.
وعلى خط آخر، اكّد الرئيس عون أنّ «ملف المحتجزين والأسرى في إسرائيل هو محور متابعة يومية ومطروح في المفاوضات أمام لجنة الميكانيزم». وكشف عون امام وفد من عائلة النقيب المتقاعد المخطوف احمد شكر «انّ الأجهزة الأمنية كشفت ظروف خطف النقيب شكر وتتابع التحقيق مع أحد الموقوفين المعنيّين بعملية الخطف»، كما اكّد لوفد من رؤساء بلديات القرى الحدودية الجنوبية، أنّ إعادة إعمار القرى والبلدات الجنوبية المدمَّرة والمتضرِّرة تأتي في صدارة الأولويات، تسهيلاً لعودة أبناء هذه القرى إلى ممتلكاتهم وأراضيهم، وكل ما يُقال عن مناطق خالية أو اقتصادية هو مجرّد كلام لم يطرحه أحد معنا».
في سياق متصل، اكّد عون امام وفد هيئة مراقبي الهدنة الدوليين في الشرق الاوسط «ضرورة بقاء مراقبي الهدنة في لبنان، نظراً للدور المهمّ الذي يضطلعون به، لا سيما وأنّ لبنان أكّد في أكثر من مناسبة التزامه اتفاقية الهدنة بكل مندرجاتها».