مارفن عجور: “إلى لبنان… عيد حبّ سعيد”

كتب مارفن عجور في موقع “لبنان والعالم“
مارفن عجور: “إلى لبنان… عيد حبّ سعيد“…
الحبُّ … كلمةٌ نُردّدها في كلّ زمان، ومكان
في عيده اليوم، يعود الحبُّ ليفتحَ معنا جوارير علاقاتٍ كوّنّاها أمس، وكوّنّاها اليوم، ونستعدّ لتكوينها غدًا. الحبُّ امتحانٌ للضمير، نختبره كلّ يوم : مع كلّ كلمةٍ من قريب، أمًّا كانت أم أبًا، أخًا أم أختًا، صديقًا أم حبيبًا. الحبُّ ليس تعبيرًا نستثمره في علاقةٍ مع الحبيب، إنّما يتعدّاه إلى كلّ إنسانٍ يسلك معنا دروبًا طويلةً في تلكَ الحياة المعقّدة، فيكونُ سببًا في تبسيطِ مشكلاتِها، وتلطيفِ معضلاتِها، وتخفيفِ صعوباتها، إلى كلّ إنسانٍ حضننا عندما اقتلعتنا الوحدة من جذورنا إلى المجهول، فردّنا إلى أرضنا، وأصبح ينتمي إلى جذورنا، وننتمي إلى جذوره. إلى كلّ إنسانٍ اختارَنا بإرادته، وكنّا سببًا في سعادته، عندما كنّا ورقةً منسيّة في حياةِ أناسٍ طاردوا وجودنا، فظنّوا في غيابنا أنّنا اغتربنا، لكنّ الحقيقةَ أنّنا اغتربنا إلى بلادِ الآمان التي لا تعرفُ طريقًا للنسيان، ولا خطّةً للفقدان. إلى كلّ إنسانٍ لم يضع شروطًا ليُدخلنا حياته، بل عنده أجراس السماح بالدخول معطّلة، هو أشبهُ بسماءٍ يفرضُ فيها الإنسانُ نفسه، هو أشبهُ بوطنٍ فيه الهويّة سهلةُ المنال، وفيه الحريّة تكسو ثوبَ الكمالِ، وفيه الحياة لا تملّ من الأحلام والآمال. نعم، الحبُّ رحلةٌ لا تنتهي عندما نفسخ علاقةً مع حبيب، بل عمليّة متواصلة نعيشها مع كلّ إنسان اخترناه لنشارك معه أفراحنا، وأتراحنا، وأيّامنا بحلّوها ومرّها، لحظات ضعفنا وقوّتنا، لحظاتٍ استسلمنا فيها وأخرى انتصرنا فيها. الحبّ علاقةٌ عاطفيّةٌ نعيشها مع كلّ من تشاركنا معه عاطفتنا، وجعلنا منها قضيّةً تُسمع، فتُفهم، فتُغمر كطفلٍ صغيرٍ ما زال يحبو، وقد تكاثرت الأسئلة في عقله، لكنّ العالمَ بوجهه ضبابيّ، وقلبه ينبض بدقّات متناقضة، لا تُفسّر، ولا تُبرّر، بل كلّ طلبها أن يكون لها مقعدًا تستريح فيه.
من العلاقات الصادقة إلى عالمِ المظاهر : التكنولوجيا تُعيد تعريف الحبّ
اليوم هو عيدُ الحبّ، هو عيدُ الضمير. اليوم نستغلّ الفرصةَ لنُعبّر عن مشاعرنا تجاه أحبّائنا. اليوم هو فرصةٌ استثنائية، لها رمزيّتها الخاصّة، اليوم وبعد أيام طويلة من اختبار الحبّ لنا، نكون على موعد مع صدور نتيجة كلّ علاقة بنيناها. نتيجة العلاقة الناجحة رسالة مفعمة بالمشاعر، وهديّة ماديّة ثمينة نهبها للحبيب لاحتياجه لها، تقديرًا لليوم الذي وهبَنا إيّاه نفسه عندما احتجنا لوردةٍ تُزيّن حديقتنا. والرسائل قد تكون ورقيّة أم رقمية، والهدايا تُعطى في اليد، أم يوصلها الدليفيري، فالحبّ أصبح مزدوج الوجه، عباراته منثورة بين العالمِ الحقيقيّ والعالم الافتراضي، والعالم الافتراضي أعاد تعريف الحبّ، وجدّد هُوّيته. وقد تناولت “المجلّة العربيّة” هذا التحوّل من خلال مقال بعنوان “تطور مفهوم الحب.. رحلة من التراث إلى العصر الرقمي” وقد وردَ في سياق المقال ما يلي : ” في المعاجم العربية، يُعرف الحب بأنه ميل دائم، لكن المعنى الأكبر يتجاوز حدود الإحساس الفردي ليصبح مسيرة روحية نحو الكمال… وفي سياق الثورة الرقمية، أصبح مفهوم الحب يُعاد تشكيله تدريجياً، فقد غزا الفضاء الافتراضي، وامتزجت المشاعر بالوسائط التقنية، فالأحلام والأماني وحتى العلاقات العاطفية لم تعد حكراً على اللقاء المباشر. يمكن الآن أن تُترجم المشاعر عبر رموز وصور وتغريدات وفيديوهات، تُختصر فيها الأحاسيس، وتطلق النصوص أجنحتها في حركة مستمرة من التماثل بين الصورة والمظهر. لكن ما سر هذا التبديل العميق في مدلولات الحب؟ إنها لعبة التمظهر والتمثيل وتحقيق الذات وفقاً لمعايير الصورة المثالية، فوسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى ساحة (اقتصاد العواطف)، حيث يُقيم الحب بحسب كثافاته الرقمية وشهرة الطرف”.
حبّ الوطن … ضحيّةُ العالم الرقمي.
للأسف، أصبح الحب الالكتروني معصيةً حقيقيةً. لقد غرقنا في وهمِ المثالية، ونسينا أنَّ الجمالَ يكمن في الصدق العاطفي، وأنَّ ربيعَ أيّامنا يُزهّر بالقربِ ممن نُحبّهم، وليسَ بالمظاهر الالكترونية التي تظهر للناس حبّنا لهم، فغُدنا نُقضي وقتنا مع المتابعين الذين يشهدون علاقاتٍ وطيدةً، ويحسدونها، وهي في الواقع شمعة تذوب بعد أن أبعدتها المسافات، وأوهمها العالم التكنولوجي المزيّف، الجاهل المشاعر، بمتانتها.أصبحنا نقترب من الجميع، سوى ممّن نحبّهم، ونستذكرهم بالأعياد بصورة أم تعليق، وكأنّهم شهداء العصر، يُنصب لهم تمثالًا في حياةٍ جديدةٍ انتقلنا اليها، كأنّنا في دنيا أخرى، ماتت فيها الألفة، مات فيها الحبّ، نام الضمير على وسادته، وصحا الخمول يبثّ طاقته السلبية في أجسادنا، وعقولنا، وقلوبنا، وأخلاقنا، ومشاعرنا، وكلّ ما فينا من خلايا. غفونا. قُتلنا. وما ظلّت سوى أيادينا تتحرّك بخدمة الهواتف، وأقدامنا تتسابق نحو المظاهر، وفكرة الكمال الغبيّة، والحقيقة الزائفة. أصبح الزيف رصاصة طالت جميع من أحببنا يومًا، وحتى في يوم العيد : الأم، والأب، والأخت، والأخ، والصديق، والصديقة، والحبيب، والحبيبة، والمحزن أكثر أنّ المظاهر أصابت الوطن، فلبنان أصبح ذكرى في عقول أبنائه، اغتربوا عنه وما زالوا يأكلون من أرضه، ويشربون من ينابيعه، منعوه وهو ما زال موجودًا، منعوه بتعليقاتهم الكاذبة التي تُعبّر عن حبّهم له، منعوه بال”ترندات” التي أصبحت روتينهم اليوميّ، وخبزهم الحياتيّ، فظنّوا أنّ حبّ الوطن في الفيديو العابر الذي نُنشره، وفي القميص التي كُتب عليها “بحبك يا لبنان” وفي ال” face painting” لعلم لبنان.
منعوه في انحيازهم، وفي وحدتهم الالكترونية، وانقسامهم الواقعي الأرضيّ. أصبحوا يعيشون معه معاني متعدّدة للحبّ. يمارسون الصَّبْوة وهي كلمة تعني الميل إلى شيءٍ ما مع الجهل، يمارسون الوصبُ وهو الحب المصحوب بالألم والمرض، يُمارسون الخُلّة وهو عدم قبول المشاركة بالمحبوب، أي التوحد معه.
وبين كلّ تلك المعاني، تُطرح أسئلة وجوديّة كثيرة : لماذا محونا نفسنا عن خارطة عشّاق وطننا، وعشّاق انتمائنا، وما زال بامكاننا أن نُفرّح بلدنا بتعلّقنا فيه، وانتمائنا له، وامتناننا لكوننا لبنانيين؟ كيف سمحنا لآلات مبرمجة لا تصرخ، ولا تُعبّر، ولا تمتلكُ الحريّة بأوجها أن تُبرمج مسارنا؟ ألسنا أحرارًأ في هذا العالم؟ فكيف لحبلٍ مفبركٍ أن يُقيّدنا؟ ومتى، نُغرم بلبناننا؟ ومتى نعشقه؟ ومتى تخترقنا مشاعر الهيام به؟ متى نهواه؟ متى لا يبقى اشتياقنا له عائقًا يُعيدنا إلى السّلام الداخلي الذي نحسّه بقربه؟ فنحن نشتاق للبنان، دون أن نُدرك. نشتاق اليه عندما نتفرّق كالشظايا التي خلّفتها حروب السياسة، والطائفة، عندما ننتمي إلى كلّ ما في لبنان ما عدا لبنان، عندما نتعصّب لجهة معيّنة موقعها لبنان، ولا ننحاز للبنان، عندما نتّحد على منصّات التواصل الاجتماعي، نقوى وراء الشاشة، ونضعف على الأرض أمام بعضنا بعضًا، والضعف عندما نتقاتل، ونتمرّد على المعرفة، ونُخلّد الجهل في صورة شعبنا، عندما نستبعد لبنان عن قضيّتنا، عندما ننسى ما في لبنان، عندما نصاب بالألزهايمر تجاه لبنان، لبنان الفنّ، لبنان الأدب، لبنان العلم، لبنان فيروز، لبنان ملحم، لبنان جبران، لبنان الحريّة، لبنان الأرز الشامخ، لبنان الذي يجبرك على محبّته. فكيف لنا أن نترك لبنان؟ كيف لا نعرف قيمة هذه البقعة الجغرافية الواسعة برونقها؟
لم يضع ابن خلدون تعريفًا جامعًا مانعًا للعصبيّة، ولكن من خلال حديثه الطويل عنها وعن ومصادرها وأهميتها يمكن أن نقول: “هي تكتّل كبير متآلف متعاطف متلاحم يسعى لغاية معيَّنة، أو هي القوةُ الجماعية التي تمنح القُدرة على تأسيس الدول وحمايتها”. فعصبيّتنا اللّبنانيّة تكمن في تآلفنا. نحنُ وطنٌ متعدّد الظوائف والأحزاب، نحن جمهوريّة ديموقراطية. لتكن عصبيّتنا في تمرّدنا على التمييز، وعلى محاولات تفكيكنا. لتكن غايتنا العدالة، والمساواة، والديموقراطية. لنفترش طاولتنا مع حبيبنا لبنان ورودَ الانسجام بيننا نحن اللبنانيين، وليعبق عطر تعاوننا في كلّ زاوية في لبنان. لنتناول عشاء التلاقي على مائدتنا الشعبية المتماسكة، والمتعصّبة لل10,452 كلم2. لتكن هديّتنا للبنان في هذا العيد تعاضدنا، وإصرارنا على الوحدة الوطنيّة، مهما عارضتنا حواجز التفرّق. نحن لبنانيون، من لحمٍ ودمٍّ، نحن مزركشون بلونِ الأخضر الذي يعكسُ الأرزة الشامخة، ويعكس معها شموخنا، عزيمتنا مغمّسة باللون الأحمر، الذي يُجسّد دماء شهداء أرضنا، ويؤكّد أننا شعبٌ واحدٌ، نضحّي ليبقى لبنان. قال جبران خليل جبران في قصيدته “لكم لبنانكم ولي لبنان” : ”
لكم لبنانكم ولي لبناني.
لكم لبنانكم ومُعضلاته، ولي لبناني وجماله.
لكم لبنانكم بكل ما فيه من الأغراض والمنازع، ولي لبناني بما فيه من الأحلام والأماني.
لكم لبنانكم فاقتنعوا به، ولي لبناني وأنا لا أقنع بغير المجرد المطلق.
لبنانكم عقدةٌ سياسية تحاول حلها الأيام، أمَّا لبناني فتلول تتعالى بهيبةٍ وجلالٍ نحو ازرقاق السماء.
لبنانكم مشكلةٌ دولية تتقاذفها الليالي، أما لبناني فأودية هادئة سحرية تتموَّج في جنباتها رنَّات الأجراس وأغاني السواقي.
لبنانكم صراع بين رجل جاء من المغرب ورجل جاء من الجنوب، أما لبناني فصلاة مُجنَّحة تُرفرفُ صباحًا عندما يقود الرعاة قُطعانهم إلى المروج، وتتصاعدُ مساءً عندما يعود الفلاحون من الحقول والكروم.
لبنانكم حكومة ذات رؤوس لا عداد لها، أما لبناني فجبل رهيب وديع، جالسٌ بين البحر والسهول جلوس شاعر بين الأبديَّة والأبديَّة”.
وغنّت فيروز “بحبّك يا لبنان”، وغنّى زياد “بلا ولا شي بحبّك” وكلّها أغانٍ عكست أجواء الحريّة، حريّة الفكر والتعبير، واليوم لبناننا ينادينا، لنُحيي هذه الحريّة من جديد، لنفخر أننا لبنانيون، وأن الهويّة ليست ورقةً تُرمى في الجوارير، بل شريانٌ يجري في أعماقنا.
لبنان يمشي وحده على جسر الفقر، وعلى جسر الحروب. الدماء تفتك به، والأوجاع تؤلم جسده، فيدعونا لنكونَ مسكّنه، لنعيش آلامه معه، فالحبّ يُختبر في قدرتنا على تحمّل الحبيب في كلّ حالاته. وطننا يدعونا كي لا ندع شبح العولمة كمقرصنٍ لحساباتنا الخلقية، والفكريّة، والعاطفية. كي لا ندعه يُنسبنا إلى كلّ الهُوِّيات، ويُمزّق هُوِّيتنا اللّبنانيّة.
صدقَ زياد الرحباني في أغنية “شو هالأيام اللي وصلنالا”، ونحن اليوم نأسف على هذا الزمن الذي يختصر مأساة أمّةٍ، نجد فيها رفاهيّة، إنّما هي كارثة أبدعت في محونا عن خارطة التحضّر، والرقيّ. أبدعت في فيضِ الأزمات علينا.
لنُحبّ لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى. لنعتذر له عن كلّ دقيقة رفضناه. تواجد في أجسامنا هرمون يسمى هرمون الأوكسيتوسين، والمعروف بهرمون الحب، ويفرزه الجسم عندما يتم اللقاء بين الأحبة. فلنحرّك هذا الهرمون الآن، فيتعافى لبناننا بلقائنا.
أيّها اللّبنانيون، عودوا من غربتكم المجهولة، عودوا إلى الأرض، وعيّدوا عيد الحبّ مع لبناننكم حبّكم الأوّل والأخير، الأزلي والسرمديّ. عودوا إلى موطنكم. فلبنان ليس مشروطًا بحبّه لكم، بل يُرحّب بكم في أي وقتٍ، ومعه يُستثنى الحبّ، وتضيع مفاهيمه، فتعجز الألسنة عن التعبير عن علاقة الوطن بأبنائه. لبنان يتعطّش للماء، فاسقوه من عنادكم على المحبّة، والتعاون، والتضامن، والتعصّب له، فقد اشتاق لينبوعكم. وكل عيد حب وأنتم مع لبنان بألف خير.
هيئة الاستشارات توضح: هكذا يقترع المنتشرون