خاص لبنان والعالممن القارىء

د. سالي حمّود: “الذكرى الثانية لجريمة العصر، لن تنصفهم العدالة”!!

د. سالي حمّود: “الذكرى الثانية لجريمة العصر، لن تنصفهم العدالة”!!

كتبت د. سالي حمّود في موقع “لبنان والعالم”:

في الذكرى الثانية لجريمة تفجير عاصمتنا ومرفئها أستعيد تلك الابتسامة السفسطائية وطيفها في قلب مهزلة دولية..

دول، جنود، استخبارات، وجيوش من كل صنف، عسكرية، دبلوماسية، الكترونية، اعلامية، وحتى سياحية كانت تجول العاصمة المنكوبة. تتجول بحرا، وبرا وجوّا كل يوم، وتنضم اليها صديقتها العدوة.

ولم يعد الاستطلاع حصرا بالجار المحتل، بل بات متاحا مع حبة مسك، للمنتدب الفرنسي العتيق، والسلك الفيدرالي المريب، وطبعا المندوب الشهير لحل أزمة السيادة البحرية، ومعه كل الأصدقاء والحلفاء..

العدالة للضحايا الذين قتلوا عمدا بسبب الاهمال. ولن تنصفهم العدالة.  ماتوا!

العدالة للمفقودين الذين فقدوا تفحُّمًا وأشلاءً بسبب التواطؤ على الفساد. ولن تنصفهم العدالة. رحلوا!

العدالة للجرحى الذين  أعياهم التقاتل على الفتات. ولن تنصفهم العدالة.  تشوَّهوا!

العدالة للمفجوعين الذين فقدوا احبتهم واملاكهم بثلاثين ثانية مأجورة. ولن تنصفهم العدالة. انفجعوا!

قلب بيروت الجريح لم يبرد دمه بعد.. لازالت حرارته مختلطة مع سخونة الردم و الركام.. تسرح في مواقع الجريمة وتمرح في قصور السياسة.. والكل يطالب بالعدالة!.

ذلك النهار المشؤوم، بتلك الساعة السادسة وثماني دقائق الملعونة، بات تاريخًا محفورًا في الذاكرة الجماعية في العالم كله، سيتحدث عنه ابناؤنا واحفادنا، ونحن سنتحدث عنه أو هكذا أتمنى! وكأنه ذكرى غابرة مر عليها الزمن، فتغيب عنا الوجوه والاسماء الى ان تضمحل وتذوب، كما ذابت وجوه المتهمين في اللوائح الإنتخابية هذا العام. اليوم. وكم أتمنى أن لا تغيب!

فالبحث عن العدالة هو كالبحث عن ابرة في كومة قش من الاتفاقات والصفقات والحسابات. اما البحث عن العدالة بين الدول هو كالبحث عن نواة بين اكوام من القش المسيسة بأنظمة خارجية وداخلية.

وحتى اليوم ظلت ابتسامة واحدة تطاردني.. تلك التي طلت على بيروت بعد يومين من تلك النكبة قبل عامين في خطاب لأمين عام متهم، بغض النظر عن صحة الإتهام أو عدمه.

فكيف لتلك الإبتسامةان تظهر؟ كيف لها ان تطل علينا والكارثة تحيط بنا وتنخر حالتنا النفسية والجسدية….ابتسامة وحيدة في عز الخراب طلت على الشاشات وأنا أطالعها بصدمة، وأستعيدها كل يوم منذ عامين.

تلك الإبتسامة لم تكن لتطمئن الام على ابنها ولا الابنة على ابيها، ولا الاب على عائلته، و انعجنت مع حزن وألم المفجوعين، واختلطت مع ركام البيوت والمقتولين، وانطبخت بنار اشلاء المفقودين. وانفجرت ذعر وخوف فحذر.

توارت الابتسامة، وحلت الفاجعة بتصريح واحد أتذكرك حتى هذه اللحظة “لا علم”، وحتى اليوم لا علم!.

تطمين الخائف فيه حسنة، واستحسان الخطابات فيه بلاغة، والابتسامة ابلغ التطمين.

هل هذه الابتسامة للتطمين؟ ربما. لا يهم. اشكالية محددة، الا ان الإشكالية الأكبر هي السفسطائية في الخطاب السياسي، حتى الجديد منه! فالنواب الجدد “التغييريين” أبدعوا في السفسطائية منذ الجلسة الأولى وفي صناديق أصواتهم داخل المجلس، ليتبنوا خطابا شعبويا فارغا. هل تصويتكم في صناديق الاقتراع “العدالة لضحايا انفجار بيروت” سيمنحهم العدالة؟ إن أداءكم التشريعي والسياسي السليم هو المطلوب منكم اليوم. لستم ناشطين اجتماعيين، بل أصبحتم أفرادا تشريعيين، فلا تتعلموا ممن سبقكم على الكراسي.

سفسطائية الخطابة او ما يعرف بالمذهب السفسطائي في الاقناع والخطابة،  كانت “مدرسة” غير معترف بها من المعلم الكبير افلاطون وتلميذه النجيب أرسطو. أفلاطون الذي ترك لنا المفيد من معرفته وحكمته وبنينا عليها علمنا واستكشافاتنا. وأرسطو الذي قدم لنا مفهوم الاقناع القائم على علم المنطق ومثلثه وبُنيت عليه البرامج الذكية وخوارزمياتها.

فالسفسطائية هي ببساطة مبسطة، فن الكلام وتمويه الحقيقة وهجر المنطق وتزيين كل ما يراد وذم كل من يخالف، من اجل المجادلة للاقناع.

بعد عامين لا زالت تائهة بين سفسطة المهزلة الدولية والخطابات السياسي. وحتى اليوم لازالت تتشعب الخيوط، وتتوافق الرؤوس، وتبادل الملفات وتسن التحالفات العدالة ضائعة بين المحقق العام والمحقق الخاص ولجان أهالي الضحايا المنقسمة يين بيان وآخر.

لن أطيل أكثر مما أطلت، ففي عشية الذكرى الثانية لم أقدر على نصي مني وحاولت جاهدة البدء ولكن لم أعلم من أين أبدأ سرديتي، فإستعنت بنص قديم كتبته ولم ينشر، إذ رفضت العديد من الصحف نشره وقتها، ولكني اليوم أخرجه بتصرف على أمل أن لا ينتصر صمتي الجريح على قلمي.

زر الذهاب إلى الأعلى