صحةكورونا

د. طلال حمّود: جائحة كورونا والمسلسل المُستمرّ: “سُلالة جديدة في اليابان ومخاطر من انخفاض أو حتى إنعدام فعالية اللقاحات”!؟

كتب الدكتور طلال حمّود:

١-السلالات البريطانية والجنوب افريقية:
ما إن كان الخبراء يحاولون أن يستوعبوا ما الذي حدث مع ظهور السلالتين الجديدتين من كورونا في بريطانيا في منتصف أيلول 20/20 وفي جنوب إفريقيا في تشرين الأول 20/20 حتى فاجأتنا الأخبار في 21/01/12 بخبر سيئ وخطير جداً في المسار التصاعدي لهذه الجائحة وهو ظهور سلالة جديدة مُتحوّرة من الفيروس ظهرت في شمال البرازيل في منطقة الأمازون تحديداً وانتقلت عبر مسافرين إلى اليابان.

وبعد التأكّد الحالي من ان السلالة البريطانية قد انتشرت فعلياً في أكثر من ثلاثين دولة حتى تاريخ اليوم، وأن السلالة الجنوب افريقية الأكثر خطورة قد إنتشرت أيضاً حتى تاريخ كتابة حتى المقالة في أكثر من 15 دولة، منها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا وفرنسا والدنمارك وإسرائيل وهما تنتشران بسرعة هائلة في معظم دول العالم رغم كل الإحتياطات الصارمة التي فُرضت على حركة المسافرين من والى كل الدول التي ظهرت فيها هذه السلالات الجديدة.

إذاً فقد أظهرت التقارير الواردة من اليابان أن السلطات الصحية اليابانية إكتشفت يوم الثلاثاء 01/12/2021 سلالة جديدة من فيروس كورونا عند أربعة مسافرين عائدين من مقاطعة الأمازون في شمال البرازيل.

الخبر بحدّ ذاته ليس بالغريب لأنننا كُنّا قد ذكرنا في مقالات سابقة ان هذا النوع من الفيروسات التي تحتوي على حبل من الحمض النووي الريبي (RNA) يتحوّر بسهولة كلّما تكاثر أكثر في جسم الإنسان. وأن العلماء قد أحصوا حتى تاريخ اليوم أكثر من 12 الف طفرة وراثية أو جينية مذ تاريخ ظهوره في مدينة ووهان في الصين في كانون اول ٢٠١٩. هذه الطفرات كانت بمعظمها صامتة في أغلب الأحيان دون حدوث تغيّرات خطيرة على طبيعة انتشار العدوى وخطورة اعراض المرض ومدّته ونسبة الوفيات الناتجة عن كل ذلك. إلى ان ظهرت السلالة البريطانية التي سميت 01/VOC-202012
او بال B.1.1.7 وهي التي تتميّز بأنها شديدة العدوى بحيث زادات من معدلات إنتقال الفيروس او العدوى بمستويات تتراوح بين 50 و 70% وبحيث أصبحت هذه السلالة هي “الفيروس المسيطر أو المهيمن” في بريطانيا. ونعلم جميعاً ان ذلك كان احد اهم الأسباب التي ادّت الى الوصول إلى وضع كارثي خطير على مستوى القطاع الصحي وبزيادة كبيرة في عدد الحالات الجديدة في بريطانيا والتي لم تفلح حتى اليوم حملة اللقاحات الواسعة التي بدأت منذ حوالي الشهر والّتي طالت أكثر من عشرة ملايين شخص هناك في الحدّ من تمدّدها. رغم أننا بدأنا البارحة فقط بالكلام عن تراجع طفيف في عدد الحالات الجديدة المُصابة بالفيروس لأول مرة منذ تاريخ بدء إنتشار هذه السلالة الجديدة في 24 كانون الأول 2020 في برطانيا.

أما السلالة الاخرى الأخطر والتي ظهرت في جنوب إفريقيا والتي سُمّيت بسلالة V2 – 502 فقد اتفق الخبراء على أنها اكثر خطورة من السلالة البريطانية. وهي تحمل عدد اكبر من الطفرات الجينيّة، ممّا تسبّب بزيادة أكبر في نسبة إنتقال العدوى وإنتشار اسرع للفيروس.

وقد حاول الخبراء أن يبحثوا في أسباب هذه الظاهرة الخطيرة وخرجوا بإستنتاجات مفادُها أنّ جنوب إفريقيا هي من اكثر الدول التي ينتشر فيروس نقص المناعية المُكتسبة ( الأيدز او السيدا). ولذلك فهي دولة فيها عدد كبير من المرضى الذين يعانون من نقص او ضعف في المناعة وهذا ما يشرح سرعة انتشار هذه السلالة الجديدة من فيروس كورونا هناك بالنسبة لعدد كبير من الخبراء.

وقد تبنّى الكثير من الخبراء نظرية كون هذه السلالة الجديدة قد ظهرت في جنوب إفريقيا نتيجة إصابة عدد كثير من المرضى ضعيفي المناعة بها. ونحن نعرف مُسبقاً أنّ هذا النوع من الفيروسات يُحاول دائماً أن يتحوّر لكي يُحاول الإفلات أو الإلتفاف على جهاز المناعة الموجود في داخل جسم الإنسان. وأنه قد يكون قد تحوّر في هذا الشكل المُقلق عندما اصاب أشخاص يعانون أصلاً من ضعف أو خلل في جهاز المناعة نتيجة انتشار مرض الإيدز.

٢-السلالة اليابانية قد تكون هي الأخطر والأكثر شراسة :
وبالعودة الى السلالة اليابانية (البرازيلية) الجديدة والتي سُمّيت P.1 وهي مُن نسل السلالة المعروفة تحت إسم B.1.1.28 . فإنها قد تكون السلالة الاكثر خطورة حتى تاريخ اليوم.وهي تحتوي على كوكتيل من الطفرات الجينية من ضمنها ١٧ تغيير في الحوامض الأمينية و٣ حالات حذف لحوامض امينية و٤ طفرات جينية و٤ مرادفات طفرة وكذلك إضافة لجزء من الجينوم يُسمّى 4nt. وفي المحصّلة لقد حصل في السلالة الجديدة عدّة طفرات جينية كان الخبراء قد لاحظوها مع السلالات البريطانية والجنوب افريقية طفرات (E484K K417N-T N501Y) ولكن كل هذه الطفرات الجديدة ظهرت بشكلٍ مُستقلّ مما دفع الخبراء الى التخوُف من إمكانية ان يؤدّي هذا الفيروس الجديد الى إعادة إصابة المرضى الذين أُصيبوا بالسابق بالسلالة القديمة من الفيروس. ومما دفعهم ايضاً للتخوُف بشكلٍ جدّي حول مصير اللقاحات وفعالياها. وبحسب اقوال احد اهم الخبراء البريطانيين في مجال العلوم المكروبيولوجية البروفسور رافي غيبتا (Ravi Gupta) فإن هذه السلالة الجديدة قد تكون “السلالة المفاجأة” في سيرة تطوّر وتحوّر فيروس كورونا لناحية عدد الطفرات الجينيّة الموجودة فيها وموقع وحساسية وأهمية هذه الطفرات. فقد اعلنت السلطات الصحية اليابانية على لسان الناطق بإسم المعهد الوطني الياباني للأمراض الجرثومية أن هذه السلالة تحمل الكثير من الطفرات الجينيّة منها 12 طفرة جينية فقط في البروتينات المشهورة التي تسمى البروتين (S) نسبة لكلمة (Spike) وهي البروتينات الموجودة في النتوءات التي تُكوّن الغلاف الفيروسي.

وكلنا نعلم ان هذه البروتينات لها الدور الأساسي في عملية الإلتصاق بالخلايا وفي عملية دخول الفيروس إلى داخلها. ويؤكّد الخبراء أن هذه الطفرات هي المسؤول الأول عن زيادة نسبة العدوى وزيادة إنتشار الفيروس ومقاومة الفيروس للأجسام المناعية المضادة التي يفرزها الجسم في محاولته للتخلّص منه.
وبحسب المعطيات الاوّلية القليلة المتوفّرة حول هذا الفيروس الذي استنفرت كل مراكز الأحداث والمختبرات اليابانية على دراسته فإنّ هذا الفيروس المتحوّر يحمل الطفرة الجينيّة التي تحملها السلالة البريطانية المسماة N501Y وهذا ما يجعله قابل للإنتشار ولنقل العدوى بشكلٍ كبير كما هي حال السلالة البريطانية. لكنه يحمل ايضاً وهنا الخطر الأكبر كما هي حالة السلالة التي اكتشفت في جنوب افريقيا الطفرة الجينية E484K وهي اكثر شراسة لأنها تزيد بشكلٍ كبير من معدّلات إنتقال العدوى والإنتشار وهذا ما جعل كبير خبراء الأمراض الجرثومية في الإدارة الأمريكية الحالية البروفسور انطوني فوسي يدقّ جرس الخطر منذ بضعة أيام.
وبشكل تفصيلي أكثر فإن هذه الطفرات تتسبّب في تغيير جوهري في مُكوّنات وفي شكل البروتين. وهذه التغيّرات الجوهرية تجعل من الفيروس يلتصق بشكلً أكبر واقوى بالخلايا، ممّا يزيد بشكلً كبير من قابليات العدوى والانتشار ومما يُقلّل ايضاً من فاعلية الاجسام المناعية التي يفرزها جهاز المناعة من اجل القضاء على الفيروس لأن هذه الاجسام قد تجد صعوبات كثيرة في التعرّف على الفيروس والإلتصاق به قبل البدء في عملية القضاء عليه.

٣- فاعليّة اللقاحات تحت المجهر:

يبدو أن السلالة اليابانية الجديدة التي ظهرت منذ أيام سوف تُشكّل بحسب الكثير من الخبراء “كوكتيل مُتفجّر” قد يعيد كلياً خلط الأوراق حول مدى فاعليّة اللقاحات المُطوّرة حالياً لمكافحة جائحة كورونا. بحيث أنه يوجد إجماع لدى العديد من الخبراء في هذا المجال الى انّ اللقاح يبقى عادة فعّال في حال حصول ٣ الى ٤ طفرات جينية تطال مكونات البروتين المذكور اعلاه (بروتين S) ، لكن الأمور سوف تتعقّد كثيراً مع هذه السلالة اليابانية الحديدة مع وجود 12 طفرة جينية تطال هذا البروتين.

فالأجسام المناعية المضادة سوف تجد صعوبة كبيرة في التعرّف على الفيروس نتيجة وجود الطفرة التي سميت (E484K) والتي ذكرناها سابقاً. لكن بعض الباحثين يشير إلى أن كل ذلك يبقى نظري بعض الشيء لأن لا دراسات علمية دقيقة تؤكّد حتى الساعة إنخفاض أو إنعدام فاعلية اللقاح مع هذه السلالات الجديدة.
وإن كانت بعض التقارير والدراسات الاوّلية نشرتها شركتي” بيونتك الالمانية” و “فايزر الأمريكية” تُشير إلى أن اللقاح الذي يسوّقانه حالياً يبقى فعّال مع السلالة البريطانية الجديدة. وإن كانت ايضاً بعض التقارير الاولية – الفرنسية خاصةً – تُشير إلى إنخفاض فاعلية اللقاح ضد السلالة الجنوب الافريقية.

وطبعاً سوف يكون علينا واجب الإنتظار بعض الوقت لإجراء التجارب السريرية لمعرفة ردّة فعل الجسم بعد إعطاء اللقاحات والتعرّض في ما بعد للسلالة اليابانية الجديدة التي ظهرت منذ أيام فقط والتي لم تترك للخبراء الكثير من الوقت لكي يقوموا بهكذا دراسات لأنها باغتتهم وتركتهم في حيرة كبيرة من امرهم. وإن كان الكثير من الخبراء يجزمون أن فعالية اللقاح سوف تنخفض بشكلٍ كبير أو قد تنعدم كلياً ( لا معطيات مؤكّدة حتى الساعة) وهذا هو أكبر مؤشر على خطورة هذه السلالة الجديدة التي بدأت بالإنتشار في البرازيل واليابان والتي قد تكون كما سابقاتها قد وصلت الى العديد ىن الدول الأخرى.
لكنن نأخذ جرعة من الأمل بسبب وجود بعض التقارير المُطمئنة في هذا السياق، والتي تشير إلى أن الشركات والمختبرات الذي تعمل في مجال اللقاحات قادرة على إعادة تطوير لقاحات فعّالة ضد هذه السلالات الجديدة، وأنها لن تعود للإنطلاق من نقطة الصفر في عمليات التطوير هذه، وان هذه العمليات لن تأخذ اكثر من شهر أو شهرين في حالة الاضطرار لتعديل اللقاحات.

وسوف تكون عمليات التطوير والتسويق من جديد أسرع بكثير منها في المراحل السابقة. وعلى الشركات والمختبرات التي طوّرت هذه اللقاحات إستبدال بعض المُكوّنات الفيروسية بمكوّنات اخرى من السلالات الجديدة وإعادة تطوير اللقاح مع الاجزاء الوراثية المُحوّرة. وأنّ ذلك لن يكون بالعمل الصعب بالنسبة لمعظم الشركات و المختبرات خاصة وأن لديهم تجربة مُماثلة مع لقاح الانفلونزا الذي يتغير في كل موسم وأنهم قادرون على الإستفادة من خبرتهم في هذا المجال في تطوير لقاحات كورونا المُضادة للسلالات الجديد.

د. طلال حمود

طبيب قلب وشرايين – باحث في علاقة كورونا وامراض القلب – مُنسّق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود – مُؤسس ورئيس جمعية ودائعنا حقّنا.

زر الذهاب إلى الأعلى