خاص لبنان والعالممن القارىء

منى زكي و”رحلة 404″ : العظمة لا تفارقها في فيلم مرموق بلغ ذروة العمق السينمائي!

منى زكي و”رحلة 404″ : العظمة لا تفارقها في فيلم مرموق بلغ ذروة العمق السينمائي!

 

كتب إيلي طايع في لبنان و العالم 

لا تتوقف النجمة “منى زكي” عن صنع الإبهار في كل عمل فني تخترق بطولته بموهبتها الجبارة…كأن “الإبهار” بات ماركة مسجلة بإسمها. حيث أصبح مع تراكم الخبرة والسنين “صديقها الصدوق” لتغدو بصحبته “وجهان لعملة واحدة” عملة إبداع ثمين متجوهر من الألف إلى الياء لا تشوبه أي ثغرة سوى ثغرة الوقوع الممتع في فخ جمال فنها التمثيلي الآخاذ. السارق لنفسك وكل حواسك دفعةً واحدة بمجرد رؤيتها على الشاشة…وتلك هي أجمل وألذ ثغرة!

بسلاسة معقدة في الوقت عينه وببراعة سينمائية متقنة من جميع النواحي يقدم الفيلم بواقعية جريئة تذكرنا بواقعية وجرأة أفلام المخرج عاطف الطيب. رحلة الإنسان مع ضميره إنطلاقاً من أصل شرور الحياة “الخطيئة” مروراً إلى التوبة ويبرز الصراع المرهق بين هاتين الكلمتين المتضادتين.

صراع البطلة هنا “غادة” “صراع نفسي” بالدرجة الأولى، تعيشه بداخلها عالقة بين الخطأ والصواب، وبعد تعرض أمها لحادث مروري تنقلب مسار الحكاية رأساً على عقب، وقبل أيام من سفر غادة إلى مكة المكرمة. وذلك لأداء فريضة الحج، تبدأ رحلتها لجمع مبلغ مالي كبير لسداد مصاريف المستشفى ليصبح اللجوء لأشخاص من ماضيها الملوث كانت قد قطعت علاقتها بهم هو السبيل الوحيد للخروج من تلك الأزمة. والإحتكاك بهم من جديد يعاود رجوع أشباح حياتها القديمة الغير مشرفة.

وتتوالى بعد ذلك الأحداث الشيقة التي رُسمت بعناية فائقة على بنية حبكة ذات أساسيات كتابية محترفة وفلسفة درامية وروحية خاصة دون إطلاق أحكام مسبقة أو معاقبة جلادين أو حتى ذكر ضحايا…إذ أجاد السيناريو إظهار الشخصيات على حقيقتهم دون النفور منهم أو كرههم على الرغم من خلفيتهم السيئة، جميعنا بشر…جميعنا خطاؤون وجميعنا نتعشم ونغرق في لهفة قاهرة أن يمنحنا الله فيضاناً عارماً من عفوه وغفرانه.

أصعب أنواع الجهاد الجهاد مع النفس، فمع كل خطوة تخطوها البطلة لحل مشكلتها المالية قبل سفرها تواجه عقبات وعراقيل أشبه ب”مغريات الدنيا الفانية” وضعف النفس البشرية في إزالتهم…كأن الشيطان يحاول طوال الفيلم إعادتها إليه بصور مختلفة ووضعها في مقر الحيرة القاتلة بين التمسك بطهارتها وبالشعرة التي تفصلها عن زلات الخطأ وتفسح لها المجال بالتفوق على ذنوبها وآثامها أو العودة لماضيها اللعين!

عرض الفيلم شخصيته الرئيسية “غادة” كرمز فعلي ملموس لأي إنسان مذنب بإختلاف حجم الذنب، صورة شديدة الصدق للإنسان الذي يحاول الإبتعاد عن طريق الخطأ لكن الملذات القذرة وشياطين الإنس يعترضون دربه السالك بالألغام نحو النقاوة.

ومن أجمل الجمل التي قيلت على لسان البطلة “ربنا بيسامح واحنا لازم نحاول…ما قدمناش حل غير إننا نحاول” اختصرت مغزى الفيلم كله مفاده عدم اليأس من رحمة الله مهما كان حجم ذنوبنا ومهما فشلنا في تجاوز طيف الإبتلاءات المفروضة علينا يبقى الرب غفور ورحيم!

البطلة المثقلة بالذنوب مكثت تجاهد وتكافح وتصارع حالات التقلقلات النفسية التي ظلت تعتريها حتى النهاية على أمل عدم العودة إلى إرتكاب ما تابت عنه!

يتميز الفيلم الذي لا يخلو من أي دقيقة تميز في أرجاء تفاصيله البديعة، بإيقاع سريع مضبوط يجعلك لا تشعر بالملل طوال فترة المشاهدة.

إضافةً إلى رونق الإخراج والكادرات وحسن إختيار أماكن التصوير والموسيقى التصويرية التي أدرجت الكثير إلى روعة اللوحة السينمائية، إلا أن اللوحة لا تكتمل دون التمثيل الذي حط رحاله على معايير عالمية بقيادة فريق هائل من الممثلين أبدع كل منهم بتقمص أدوارهم كما يجب.

بإطارٍ مجمع للفيلم بأكمله من البداية إلى الخاتمة، وبعدما سيطر على السينما العربية في السنوات الأخيرة طابع الأفلام التجارية البحتة فقيرة المضمون، نحن أمام تحفة سينمائية نادرة في زمننا اليوم.

كما أثبتت ولاء المتفرج للأعمال الجادة التي تخاطب مباشرةً فكره ووجدانه وأعماقه، وتساوى مستواها برسوخ مع الأداء التمثيلي المذهل لبطلتها منى زكي التي تخطت مرحلة كونها ممثلة مبدعة فحسب بل تحولت إلى طاقم تمثيل في شخص واحد!

فيلم إجتماعي إنساني ملهم…جدارة مشاهدته ليست خيار بل إرغامٍ إيجابيٍ حتمي!

إقرأ أيضا ً

أكثر من ورم… ممثلة سورية شهيرة تعلن إصابتها بالسرطان!

زر الذهاب إلى الأعلى