
مدينة صنعت التاريخ: أسرار تسمية القيروان برابعة الثلاث وأم المدائن… القيروان، هي أحد أهم المواقع السياحية في تونس الخضراء، وتعد المدينة رابع حاضرة شيدها العرب الفاتحون بعد تأسيس الكوفة والبصرة بالعراق والفسطاط بمصر.
وقد اختار لها والي إفريقية وفاتحها الشهير “عقبة بن نافع” موقعاً يبتعد عن شاطئ البحر الأبيض المتوسط بقدر ما يقترب من الصحراء، حتى يكون وجيشه بمأمن من خطر هجمات الأسطول البيزنطي على شواطئ شمال إفريقيا، في وقت لم يكن فيه لدى المسلمين من السفن الحربية ما يكفي لدفع هذه الهجمات.
تتميز المدينة بعبق تاريخها الساحر بجمالها وبيوتها ومساجدها ومزاراتها وأسواقها وأزقتها، تنتشر في فضاءاتها حميمية وروحانية، كانت مصدر إشعاع علمي وحضاري ودعوي لبلاد الغرب الإسلامي.
وفي كل زاوية من زواياها قدسية، فهي مدينة الثلاثمئة مسجد، وهي رابعة الثلاثة أي بعد مكة والمدينة وبيت المقدس، وهي أول مدينة إسلامية بنيت في المغرب العربي في سنة 50 الهجرية.
قصة بناء عقبة بن نافع لمدينة القيروان
ولى الخليفة معاوية بن أبي سفيان، عقبة بن نافع بن عبد قيس إفريقيا، فجمع إليه مَن أسلم من البربر وضمهم إلى الجيش الوارد من قِبل معاوية والذي كان يقدر بعشرة آلاف مقاتل، وسار إلى إفريقية ونازل مدنها، فافتتحها عَنوة، وأسلم على يده خلق كبير حتى اتصل ببلاد السودان.
نظر عقبة في أحوال إفريقية، فرأى أنه لن يستقيم لها أمر إلا باستقرار المسلمين فيها بصفة نهائية، لا كما يفعل مَن سبقوه من القادة، حيث قال إن: “إفريقيا إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام، فإذا خرج منها رجع مَن كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر، وأرى لكم ـ معشر المسلمين ـ أن تتخذوا بها مدينة نجعل فيها عسكرًا، وتكون عز الإسلام إلى آخر الدهر”، عندها اتخذ قرارًا ببناء مدينة القيروان.
وقد رأى عقبة أن من أسباب تراجع المسلمين عن إفريقية هو طول خط المواصلات بينهم وبين أقرب مرتكز لهم وهو “الفسطاط”، فاستقر رأيه على أن خير وسيلة للاستقرار بالمغرب إنما تكمن في الاحتفاظ بجيش دائم، وأن ذلك يستدعي إنشاء مدينة جديدة تكون مقر عسكر المسلمين وموطن أهلهم.
فاختار لذلك موقعًا له ميزات عديدة من حيث الحرب والاقتصاد والمواصلات، فأنشأ القيروان في رقعة تكفي لتموين الحامية ومن معها، بعيدة عن الساحل بحيث لا ينالها الأسطول الرومي، وفي نفس الوقت تكون مواجهة لجبل أوراس الذي كثيرًا ما قاوم سكانُه الفاتحين من قبل.
رغم وجودها في الصحراء.. لم تعزل القيروان عن العالم
واستصوب صحابة عقبة بن نافع رأيه، فجاؤوا إلى موضع القيروان، وهي في طرف البر وهي أجمة عظيمة، تتميز بتشابك أشجارها، وقد أمر بن نافع أصحابه بالبناء في سنة 50 للهجرة، وابتدأ بتخطيط دار الإمارة، ثم عمد إلى موضع المسجد الأعظم فاخْتَطَّه، ولكنه لم يُحدِث فيه بناء.
لم تلبث المدينة أن عُمِّرت بعد تخطيط موضع المسجد الأعظم بالدور ومختلف الأبنية والمساجد، وشد الناس إليها الرحال، وعظم قدرها، وأصبحت قاعدة للمسلمين في بلاد المغرب، ورغم أن القيروان كانت في وسط الصحراء، إلا أنه لم يمنعها انعزالها هذا من أن تنمو وتكبر.
مدينة المساجد الثلاثمئة
لمدينة القيروان ثمانية أبواب، أهمها باب الجلادين نسبة إلى الجلود التي كانت تدبغ هناك، وباب تونس الذي كانت تقام عليه عروض الفرجة، لكن الصورة تغيرت اليوم مع احتفاظ المدينة بطابع خاص جميل، فهي ملهمة للكثيرين، وفيها حميمية يتعايش الناس فيها بود وألفة وأمان.
كما أن من أهم معالم القيروان سورها الضخم، إلا أن بعض أجزائه تعرضت للهدم في الحرب الثانية، حين قام الألمان باستخدام الآجر لبناء مدرج لطائراتهم العسكرية، فقد كان السور أضعاف حجمه الحالي.
وكان سبب بنائه أن المدينة كثيرًا ما تعرضت للغزو، فبناه أهل المدينة للدفاع عن أنفسهم، ويفصل السور المدينة القديمة عن محيطها الطبيعي، وكان للسور أربعة عشر بابًا، وكانت سوقها متصلة بالمسجد من جهة القبلة وممتدة إلى باب يعرف باسم باب الربيع، وتختلف القيروان عن المدن العربية السابقة عليها في التأسيس، في أن كل قبيلة نزلت بها لم تكن تختص بمكان معين من المدينة.
تاريخ ممتد من الازدهار
امتدت فترة تأسيس القيروان من سنة 50 الهجرية ولغاية 184، وجاء بعد تلك المرحلة الأغالبة، إذ شهدت المدينة في زمنهم الازدهار والتطور المعماري، ومن بعد الأغالبة جاءت الفترة الفاطمية ثم الفترة الزيرية، وهنا كان التطور الكبير في الهندسة المعمارية والعلوم.
أما الكتابة فقد كانت عنوانًا للحضارة في المدينة، وظهرت في العملة والخزف وأدوات الفلك والعلوم والمخطوطات والكتب التي أبدع القيروانيون في كتابتها وتزيينها، ومن تلك الأمثلة المصحف الأزرق المكتوب على الجلود، وقد كُتب بماء الذهب واستُخدمت الصبغات الطبيعية المستخرجة من نبتة النيلة في طلائه، وهذا هو فن صناعة الكتب، كما برعوا في خلط الأحبار المنتمي لعلم الكيمياء.
وفي البداية احتضنت القيروان الخط الكوفي القادم من العراق، وطورت ما يسمى بالخط الكوفي القيرواني، ويسمى أيضًا بالـ”المولد” أو “الريحاني” نسبة لليونته وجماله والأشكال النباتية التي كانت تزينه، وقد ظهر هذا الخط جليًا في زخرفة جامع عقبة بن نافع، كما أنه شهد على تطور المعمار والفقه، فالجامع هو المورد والمستودع الأول وهو الأصل.
جامع عقبة بن نافع.. أقدم من المدينة
عند حومة الجامع الكبير تبدأ الصورة بمشهدية صامتة، ثم تدب الحركة لتملأ المكان، ويقول التونسيون إن الجامع أقدم من مدينتها، وهذا كناية عن علاقة الجامع بالمدينة، لأن المدينة العربية في المضمون الإسلامي تخضع لهندسة معمارية ونسق تقليدي، حيث أنها تبدأ من الجامع الكبير الذي بناه عقبة بن نافع، ثم يتدرج البناء إلى فضاءات أوسع نحو انتشار الأسواق.
أما منبر جامع عقبة بن نافع فقد كان آية في الروعة، ويضم 300 لوحة نقشت بطريقة مذهلة جمعت بين الخط الكوفي والزخارف النباتية مع الخط القيرواني الذي تدخله تفريعات الزخرفة والزركشة، فتلاقحت الفنون بصورة جميلة خلقت هذا الخليط المتناثر من الحروف وقد ألهمت الكثير من الفنانين التشكيليين.
ومن أبرز المعالم في المدينة مقبرة قريش التي حوت شواهد قبورها أمثلة بديعة على روعة الخط القيرواني الذي اهتم به أهل القيروان وبذلوا الوقت والجهد والمال في كتابته على الشواهد، وتلك الشواهد موجودة الآن في متحف رقادة، ويرى زهير الشهبي، محافظ المتحف الوطني للفن الإسلامي، أن الشواهد نُقشت بطريقة فيها الكثير من الابتكار كما أنها تدل على حالة ازدهار كان يعيشها القيروانيون.
السياحة في قيروان.. قطاع يمسك بتعافي الاقتصاد
أظهرت بيانات النصف الأول من عام 2025 قفزة غير مسبوقة في عدد السائحين لمدينة القيروان، لتعيد الأمل في استعادة أحد أعمدة الاقتصاد قدرته على توفير العملة الصعبة ودعم سوق العمل، ويغذي هذا الزخم من تنوع المقاصد التونسية، من شواطئ الحمامات إلى آثار قرطاج وأسواق القيروان ومنتجعاتها العلاجية، ما يمنح البلاد ميزة تنافسية في سوق السفر العالمية.
ومؤخراً، كشف البنك المركزي التونسي عن تسجيل البلاد نمواً ملحوظاً في عائدات السياحة وتحويلات العاملين بالخارج، حيث بلغت إجمالي العائدات نحو 11.8 مليار دينار (4.07 مليار دولار)، أي ما يعادل 120 يالمئة من إجمالي خدمة الدين الخارجي، كما أظهرت المؤشرات ارتفاع عائدات السياحة بنسبة 8.7 بالمئة على أساس سنوي لتصل إلى 5.7 مليار دينار (1.97 مليار دولار) مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
إقرأ أيضاً: أنجلينا جولي تخطف الأنظار في قطر… ماذا عن صحتها؟