خاص لبنان والعالم: د. سالي حمّود.. الحرب الأهلية بين تفجير المناطق وتفخيخ الخوارزميات

…خاص لبنان والعالم: د. سالي حمّود: الحرب الأهلية بين تفجير المناطق وتفخيخ الخوارزميات… في الذاكرة الجماعية بدأت الحرب اللبنانية في 13 أبريل/نيسان 1975 بحادثة عين الرمانة، التي كثيراً ما تُروى كشرارة الصراع لتجر وراءها الكثير من السرديات المتناقضة والمتناسبة، إلا أنه تكمن خلفها حقيقة أكثر تعقيداً ، تضيع بين إتهام وإدانة محلية، ولكن كشف النقاب عنها تحقيق استقصائي “غير محلي” نشر في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019 في موقع “موندوايس” (Mondoweiss) تحت عنوان ” How the Israeli military censor killed a story about ‘terrorist’ bombing campaign in Lebanon in 1980s. يوثق هذا التحقيق أن “إسرائيل” كانت مهندساً رئيسياً في التحضير لتلك الحرب ، ومستفيداً من الاستهدافات “المتنوعة” داخل الأراضي اللبنانية.
واليوم، بعد مرور أكثر من أربعة عقود، يعيش لبنان فصلاً جديداً من فصول تلك القذارة الاسرائيلية بغطاء أميركي. لكن اليوم وجه الحرب قد تغير. ففيما كانت “إسرائيل” تخفي بصماتها خلف ما كان يعرف باسم “جبهة تحرير لبنان من الغرباء” الوهمي في الثمانينيات، ها هي اليوم تنشر جيشاً من “عملائها الرسميين وغير الرسميين، اللبنانيين وغير اللبنانيين، بالاضافة الى عنصر جديد يضاف الى موسادها- الذكاء الاصطناعي- ليدير حربها على لبنان كونها دوماً تستعير خبرات حلفائها بحروب الوكالة.
وفيما كانت “إسرائيل” تخفي بصماتها خلف اسم “جبهة تحرير لبنان من الغرباء” الوهمي في الثمانينيات – Front for the Liberation of Lebanon from Foreigners (FLLF)، ها هي اليوم تتبنى استراتيجية أكثر دهاءً وخبثاً ليس فقط تدمير البنية التحتية اللبنانية وقتل المدنيين، بل تفكيك النسيج الاجتماعي اللبناني من الداخل عبر إشعال فتنة طائفية مدروسة، مستغلةً بذلك هشاشة الدولة وعجزها، وتواطؤها غير المباشر، وذلك باعتراف أبواق العدو الصحفية التي جاهرت صراحةً أن الصراع الداخلي هو ما تسعى اليه إسرائيل وتركت للحكومة محاربة الحكومة. كما تتمثل الآلية الأساسية في هذا الصراع في التهجير القسري لأكثر من مليون من سكان الجنوب والضاحية والبقاع، مما يخلق ضغطاً سكانياً واحتكاكاً طائفياً يغذي الكراهية المتبادلة ويهيئ الأرضية لصراع أهلي قابل للتجديد.
لكن الأخطر من المخطط الإسرائيلي هو تماهي خطاب المطبّلين والمؤثرين و الحكومة اللبنانية معه، والذي يتأرجح بين العجز والتحريض والتواطؤ. فبدلاً من بناء جبهة داخلية موحدة في وجه العدوان، نسمع صدى العدوان في خطاباتهم لتقوم الحكومة بإعلان إجراءاتها الأمنية الداخلية على أساس أنها تلبي “مخاوف” إسرائيل، وكأن العاصمة بيروت وحدها تختزل الوطن. والمؤلم أكثر ( لكي لا استعمل عبارة قد تعيق نشر هذا النص) هو “الترحيب” الإسرائيلي الفوري بهذه الإجراءات والخطابات . وهنا الخوف، إن الحكومة هنا لا تقاوم الاستراتيجية الإسرائيلية، بل تقدم لها غطاءً سياسياً أمنياً ووطنياً، عن جهل أو إصرار. يا سلام!
ويتجلى هذا التواطؤ في قضية المطالبة بنزع سلاح استطاع استعادة الجنوب بعد أعوام من الاحتلال، كما نزع مصطلحها من الاعلام الوطني، في حين انسحب الجيش الوطني من مناطق النزاع وكثّف حمايته حوالي عوكر.
فمنذ اندلاع الحرب كانت ولاتزال خطابات الحكومة وقراراتها الحكومة بالتوقيت والحيثيات يخدمان الأجندة الإسرائيلية بشكل كامل، بعلمٍ أو بجهلٍ.
ليس هنا بيت القصيد. فقد تكون الرئاسات الثلاثة مأزومة بين صفقة أو تسوية أو ايجارات. ما العيب؟ لقد تعودنا على كل “مرجع” أو “معلم” أو “ممول” لكل قصر أو دار أو سراي. ولكن ان ترفع الحكومة اللبنانية اليوم شعارات تردد صدى المطالب الإسرائيلية بدلاً من أن تسعى الى خطاب جامع في وجه من ارتكب ابادة جماعية منذ عام أمام مرأى العالم، ويعيد التكتيك والمشهد على أرضنا، فذاك طبعا مؤشر خطير. لأن ارتدادت الموجات الصوتية عند المواطنين المفجوعين أسرع، كما هي أقوى عند الخائفين من التصنيفات بين مقاوميين وحزبيين وشيعيين، و جنوبيين، تماما كما هي عند الإعلاميين المأجروين والمجرورين والمجروريين. وطبعا الارتدادات الأسوأ عند الاكاديميين الذين تبدأ سردياتهم حول هذه القضية، منذ بلغوا سن الرشد أو نيّف قبلها، أومنذ أصبحوا حزبيين متخفيين.
اليوم في ٢٠٢٦ بعد أكثر من خمسة عشر شهرا من الجرائم المستمرة من العدو الاول والاخير، لم تعد إسرائيل بحاجة إلى إخفاء بصماتها خلف أسماء وهمية، بل باتت أكثر وقاحة تعطي أسماء مثل ” الظلام الأبدي” جهارة، وترفق غاراتها بخوارزميات تتعلم وتتطور ليس لمزيد من أهدافها بل لتنوعها بين مقاتل ومناصر ومسعف وصحافي، ينتجه مصنع لايهدأ ولا يشبع، للبيانات العملياتية والذكاء الاصطناعي حيث تدمج بيانات المستشعرات والفيديو والنصوص والصوت في صورة عملياتية واحدة في الزمن الفعلي . هذا النظام لا يكتفي بمعالجة المعلومات، بل يشارك في التخطيط للهجمات وتحديد الأهداف وتنفيذ الضربات، وتساعدها بذلك حكومتنا التي ليست فقط تستخف بالسيادة الرقمية، بل تمنح حليفة المعتدي الحميمة كل ما تملك من بيانات، حفاظاً على تكنوقراطة الحكومة والبلد.
في عالم يضج بالحديث عن “الإرهاب” وكأنه خطاب أحادي الاتجاه، تبقى صفحات كثيرة من تاريخنا المعاصر مطوية تحت وطأة الرقابة والصمت السياسي المتواطؤ والجاهل، ومن بين أكثر هذه الصفحات إيلاماً وإدانةً، يأتي الخوف من نزاع داخلي تخلفه آلة القتل الإسرائيلية منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم. ولم تكن تلك الجبهات سوى قناع زائف صنعه قادة عسكريون إسرائيليون كبار، مثل رفائيل إيتان ومئير داغان وأفيغدور بن غال، بأمر وتوجيه من وزير وأرييل شارون الحاصل على جائزة نوبل للسلام. والخطورة هنا لا تكمن في العجز عن مواجهة العدو، بل في تبني لغة سياسية وإعلامية تخلق مناخاً شعبياً معادياً، وتوزع أدوارنا جميعا إدارة هذا الانقسام الداخلي وتعميقه نيابة عن العدو.
وأخيرا في الذكرى السنوية للحرب الاهلية، هذا العام، علينا نفهم ان الاعتراف بالجبهة الرقمية للحرب هو الخطوة الأولى في هذه الحرب الجديدة، وما يهم الآن هو الاستجابة لها كواقع فعلي ومؤثر، ونؤسس مقاومة رقمية تعيد أسماء قرى الجنوب الى خرائط أبل وغوغل. فتلك مقاومة من دون سلاح ولا جيوسياسة معقدة.
وهذا هو أول إستحقاق للحكومة خارج أي تعقيدات جيوسياسية وتمويلية وتسليحية. فحليف الحكومة وراعيها هو الحكومة الأميركية الصديق اللدود لتلك الشركات التكنولوجية.