خاص لبنان والعالم

سارة حمّود: القضية ليست غنى نحفاوي… القضية قضاء يعاقب الصوت ويحمي السوط!

سارة حمّود: القضية ليست غنى نحفاوي… القضية قضاء يعاقب الصوت ويحمي السوط!… في بلدٍ يملك قانونًا لحماية الحيوانات ولا يملك جرأة تطبيقه، تصبح الحقيقة ج.ريمة، ويصبح التوثيق تهمة، ويصبح الدفاع عن كائن لا صوت له سببًا للتوقيف.

غنى نحفاوي لم تحمل سلاحًا. لم تعتدِ على أحد. لم تختلق رواية. لم تفبرك مشهدًا. كل ما فعلته أنها نشرت، بحسب الفيديو المتداول، ما يُظهر كلبًا مربوطًا بحبل خلف سيارة ويُجرّ على الطريق في بلدة العزّونية، في مشهد لا يحتاج إلى تفسير قانوني معقّد كي نفهم بشاعته. يحتاج فقط إلى ضمير يعمل.

لكن في لبنان، يبدو أن الضمير صار أضعف من الواسطة، وأضعف من اللقب، وأضعف من الخوف من “المقام” و“الصفة” و“الحساسية”. وهنا تحديدًا تبدأ الفضيحة الأكبر. ليست الفضيحة فقط في سحل كلب. الفضيحة أن تُلاحق ناشطة لأنها كشفت الفعل، بدل أن يُلاحق من ارتكبه.

غنى نحفاوي، الناشطة المعروفة في الدفاع عن حقوق الحيوانات، لم تبدأ مع هذه القضية. هي ليست صوتًا عابرًا ظهر في موجة غضب وانتهى. هي من الأصوات التي واجهت، لسنوات، ثقافة الإفلات من العقاب بحق الحيوانات في لبنان. واجهت الإهمال، والتعذيب، والقتل، والتسميم، والسحل، والتخلّي، وكل أشكال القسوة التي تُمارس غالبًا في العلن، لأن مرتكبيها يعرفون أن القانون في هذا البلد يُكتب أكثر مما يُطبّق.

وفي هذه القضية، لم يكن المطلوب منها أن تتراجع عن شتيمة. كان المطلوب منها أن تحذف دليلاً أخلاقيًا واجتماعيًا على فعل مُشين. كان المطلوب منها أن تخفض صوتها حتى لا ينزعج من وُضع تحت الضوء. لكنها رفضت. وهذا الرفض وحده كافٍ ليجعلها في صف العدالة، حتى لو قرر بعض القضاء الوقوف في الجهة الأخرى.

قرار توقيف غنى نحفاوي، كما نُشر، لا يمكن التعامل معه كإجراء عادي. هو رسالة خطيرة لكل ناشط وكل صحافي وكل مواطن يحمل هاتفه ليوثق انتهاكًا. الرسالة تقول: لا تكشفوا المعتدي، لا تفضحوا القسوة، لا تحرجوا أصحاب الألقاب، ولا تطالبوا بتطبيق القانون إذا كان تطبيقه يزعج الأقوياء.

من يجرّ كلبًا لا تحميه العباءة… ومن يفضح القسوة لا يُسجن

أما الشكوى التي تتحدث عن القدح والذم و“إثارة الشعور الديني”، فهي محاولة بائسة لنقل النقاش من جوهره الحقيقي إلى مكان آخر. القضية ليست دينًا، ولا طائفة، ولا مقامًا دينيًا. القضية كلب تم ربطه وجرّه. القضية فعل قاسٍ بحق كائن حي. ومن يحاول الاختباء خلف العباءة أو اللقب أو الحساسية الدينية للهروب من المساءلة، لا يحمي الدين، بل يسيء إليه مرتين: مرة بالفعل، ومرة باستعمال الدين درعًا ضد المحاسبة.

الدين لا يحمي القسوة. القانون لا يجب أن يحمي القسوة. والقضاء لا يحق له أن يحوّل من يدافع عن الضعيف إلى متهم، فيما يبقى صاحب الفعل الأصلي في موقع المشتكي.

لبنان أقر قانون حماية الحيوانات والرفق بها رقم 47/2017. هذا القانون لم يوضع للزينة. لم يوضع كي يُذكر في المؤتمرات والبيانات الرسمية ثم يُدفن عند أول اختبار جدي. إذا كان التسبب بمعاناة الحيوان مخالفة تستوجب المحاسبة، فالسؤال هنا واضح ومباشر: لماذا وُجهت اليد القانونية نحو غنى نحفاوي بدل أن تتجه أولًا نحو من ظهر اسمه في الواقعة المتداولة؟

وهنا لا بد من قول الأمور كما هي: حين يعاقب القضاء من يكشف الإساءة بدل أن يحاسب من يُشتبه بارتكابها، فهو لا يخطئ في ملف واحد فقط، بل يضرب ثقة الناس كلها بفكرة العدالة. لأن العدالة التي تخاف من فيديو، ولا تخاف من تعذيب كائن حي، ليست عدالة. والقرار الذي يطلب إسكات الصوت بدل التحقيق في الفعل، لا يحمي الكرامة، بل يحمي الإفلات من العقاب.

غنى نحفاوي ليست متهمة في ضمير الناس. هي شاهدة على ما حاول كثيرون تجاهله. هي واحدة من الذين يضعون أنفسهم في مواجهة منظومة كاملة من اللامبالاة، لأن الحيوانات في لبنان لا تملك محاميًا، ولا حزبًا، ولا طائفة، ولا منصة إعلامية، ولا زعيمًا يرفع الهاتف من أجلها.

لهذا، فإن الدفاع عن غنى اليوم ليس دفاعًا عن شخص فقط. هو دفاع عن حق المجتمع في كشف الانتهاكات. دفاع عن حق الناشطين في التوثيق. دفاع عن حق الحيوانات في أن لا تُعامل كأشياء تُسحل وتُرمى وتُنسى. ودفاع عن القانون نفسه، قبل أن يصبح مجرد حبر على ورق.

لا عباءة تعلو فوق الرحمة… ولا لقب يحمي من المساءلة

أما إلى من ظن أن صفة دينية أو اجتماعية أو سياسية تستطيع أن تمحو فعلًا موثقًا، فالجواب واضح: الرحمة لا تُقاس باللباس، ولا باللقب، ولا بالموقع. الرحمة تُقاس بالفعل. ومن يجرّ كلبًا خلف سيارة، بحسب ما ظهر في الفيديو المتداول، عليه أن يواجه السؤال الأخلاقي والقانوني، لا أن يطلب إسكات من فضحه.

وإلى القاضي الذي قرر توقيف الناشطة بدل أن يجعل حماية الحيوان أولوية في مسار التحقيق، نقول: العدالة لا تُختبر حين يكون الضعيف صامتًا، بل حين يجد من يتكلم عنه. وغنى نحفاوي تكلمت عن كائن لا يستطيع الشكوى. فهل أصبح الدفاع عن الضعيف جريمة في لبنان؟

إن كان المطلوب من غنى أن تحذف الفيديو كي ترتاح الضمائر المتورطة أو المحرجة، فالمطلوب من المجتمع أن يفعل العكس تمامًا: أن لا يحذف الذاكرة. أن لا يحذف الغضب. أن لا يحذف السؤال. وأن لا يسمح بتحويل ناشطة إلى كبش محرقة فقط لأنها رفضت أن تكون شاهدة صامتة.

غنى نحفاوي لم تُخطئ حين كشفت. الخطأ أن يُسحل كلب. الخطأ أن يُستفز القضاء من النشر أكثر مما يُستفز من الفعل. الخطأ أن تتحول الشكوى إلى سلاح بيد من يجب أن يُسأل، لا بيد من يجب أن يُحمى.

غنى نحفاوي إلى الحرية

الحرية ليست منّة تُمنح لغنى نحفاوي، بل حق كان يجب ألا يُمسّ أصلًا.

والمحاسبة يجب أن تبقى موجّهة نحو كل من يعتدي على الحيوانات، لا نحو من يكشف الاعتداء.

وتطبيق قانون الرفق بالحيوان ليس خيارًا تجميليًا، بل واجب أخلاقي وقانوني.
لأن المجتمع الذي لا يحمي أضعف كائناته، لا يحق له أن يدّعي العدالة.

بالفيديو : غنى النحفاوي…حين يستدعى الضمير للتحقيق بدل محاسبة الإنتهاك!

 

زر الذهاب إلى الأعلى