المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”: خرق صريح للدستور اللبناني

المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”: خرق صريح للدستور اللبناني… يندرج موضوع التفاوض المباشر مع “إسرائيل” ضمن القضايا التي تتجاوز حدود القرار السياسي الآني لتلامس جوهر النظام الدستوري في لبنان، إذ لا يمكن النظر إلى هذا الخيار بوصفه مجرد أداة تقنية لإدارة نزاع أو معالجة ملف حدودي، بل هو مسار يترتب عليه آثار قانونية وسيادية عميقة، تنعكس على موقع الدولة والتزاماتها الدستورية. فالتفاوض المباشر، بطبيعته، يفترض قيام علاقة متكافئة بين طرفين، ما يجعله في الفقه الدولي قرينة على الاعتراف المتبادل، حتى وإن لم يعلن ذلك صراحة، الأمر الذي يضعه في تعارض مع ثوابت دستورية وسياسية لطالما شكّلت جزءاً من هوية الدولة اللبنانية، ويعتبر التفاوض غير دستوري ويخرق بوضوح الدستور اللبناني وهذا ما سنبينه في هذا المقال.
إن أي خطوة من هذا النوع لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن مفهوم الاعتراف بالدول في القانون الدولي، حيث يُعدّ الانخراط في مفاوضات مباشرة مؤشراً على الإقرار بوجود الطرف الآخر ككيان سياسي شرعي. وعليه، فإن السير في هذا المسار يفضي، حكماً، إلى نتائج تتجاوز الإطار الإجرائي للتفاوض، لتطال موقع لبنان في الصراع وطبيعة علاقته مع العدو، وهو ما يفرض إخضاعه لرقابة دستورية صارمة، تمنع تحوّله إلى مدخل لتكريس وقائع سياسية غير منسجمة مع النصوص الدستورية.
ومن الناحية الدستورية، فإن صلاحية التفاوض التي تُمنح لرئيس الجمهورية لا تُشكّل تفويضاً مطلقاً يتيح له اتخاذ قرارات ذات طابع سيادي بمعزل عن بقية السلطات، بل هي صلاحية مقيّدة ومشروطة، تمارس ضمن إطار متكامل من التوازنات الدستورية. فالدستور اللبناني، وإن أعطى رئيس الجمهورية دوراً محورياً في التفاوض وإبرام المعاهدات، إلا أنه ربط نفاذ هذه المعاهدات بموافقة مجلس الوزراء، وفي حالات محددة بمصادقة مجلس النواب، ما يعني أن القرار التفاوضي ليس قراراً فردياً، بل هو جزء من عملية دستورية مركّبة تخضع لمبدأ المشاركة بين السلطات.
ويزداد الأمر وضوحاً عند التوقف عند الدور المحوري لمجلس الوزراء، الذي أناط به الدستور رسم السياسة العامة للدولة في مختلف المجالات، بما فيها السياسة الخارجية. فقرار بحجم الانخراط في مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل” لا يمكن أن يُتخذ خارج هذا الإطار الجماعي، ولا يجوز تمريره تحت عناوين تقنية أو مرحلية، لأن مفاعيله تتصل مباشرة بخيارات الدولة الاستراتيجية. ومن هنا، فإن أي محاولة لتجاوز هذا المسار تُعد إخلالاً بمبدأ أساسي من مبادئ النظام الدستوري، يقوم على توزيع الصلاحيات ومنع احتكار القرار السيادي.
ولا يقتصر الإشكال على البعد الإجرائي، بل يتعداه إلى مضمون النتائج التي قد تترتب على هذا النوع من التفاوض، ولا سيما في ما يتعلق بقضية اللاجئين الفلسطينيين. إذ إن أي مسار تفاوضي مباشر قد يُفسَّر، في سياق التسويات الإقليمية، على أنه قبول ضمني بإسقاط حق العودة أو فتح الباب أمام مشاريع التوطين، وهو ما يتعارض بشكل صريح مع مقدمة الدستور اللبناني التي ترفض التوطين رفضاً قاطعاً. وبالتالي، فإن التفاوض، في هذه الحالة، لا يكون مجرد أداة دبلوماسية، بل يتحول إلى مدخل لإحداث تغييرات بنيوية تمس التوازنات الداخلية والالتزامات الوطنية.
إلى جانب ذلك، يطرح التفاوض المباشر إشكالية تتصل بمفهوم السيادة ووحدة الأراضي، إذ إن الجلوس إلى طاولة مفاوضات مع طرف لا تزال أجزاء من الأرض اللبنانية خاضعة لاحتلاله، يطرح تساؤلات جدية حول مدى انسجام هذا الخيار مع مبدأ عدم جواز التنازل عن أي جزء من الأراضي الوطنية. كما أن عدم حسم الحدود بشكل نهائي، واستمرار النزاع حول مناطق مثل مزارع شبعا، يجعل من أي تفاوض مباشر خطوة محفوفة بإمكانية فرض وقائع جديدة قد لا تكون منسجمة مع الحقوق اللبنانية الثابتة.
وفي ضوء هذه الاعتبارات، يصبح من الضروري التأكيد أن أي اتفاق يمكن أن ينتج عن هذا المسار لا يكتسب أي صفة قانونية أو دستورية ما لم يخضع للأصول المنصوص عليها، وفي مقدمتها موافقة مجلس النواب في الحالات التي يحددها الدستور. فالمعاهدات التي تمس السيادة أو ترتب أعباء مالية أو تغيّر في وضع الأراضي لا يمكن أن تدخل حيّز التنفيذ إلا بعد إقرارها تشريعياً، ما يعني أن أي تفاوض لا يراعي هذه القواعد يبقى فاقداً للشرعية الدستورية.
وعليه، فإن مقاربة مسألة التفاوض المباشر مع “إسرائيل” تفرض التعامل معها كقضية دستورية بامتياز، لا كخيار سياسي قابل للأخذ والرد وفق موازين القوى أو الضغوط الخارجية. فالدستور اللبناني، بما يتضمنه من نصوص ومبادئ، يضع قيوداً واضحة تحول دون الانزلاق إلى مسارات قد تفضي إلى اعتراف ضمني أو تنازل غير مباشر عن حقوق سيادية. ومن هنا، يعتبر التفاوض المباشر مع الكيان الإسرائيلي غير دستوري وغير شرعي، ويفتقر إلى الغطاء الوطني.