أخبارالعالم

من الحدود إلى الداخل: أولوية دمشق الجديدة الحرب على المخدّرات

من الحدود إلى الداخل: أولوية دمشق الجديدة الحرب على المخدّرات… منذ سقوط نظام بشار الأسد ووصول القيادة السورية الجديدة إلى الحكم، لم تهدأ التكهّنات حول شكل المرحلة المقبلة في العلاقة مع لبنان. ومع اندلاع الحرب الأخيرة على لبنان منذ آذار، ارتفعت وتيرة الحديث عن نية دمشق الجديدة الدخول إلى الأراضي اللبنانية، سواء تحت عنوان الانتقام من “حز..ب اللّه” بعد سنوات الحرب السورية، أو نتيجة ضغوط إقليمية ودولية لدفعها نحو مواجهة مباشرة معه. غير أن مسار الأحداث على الأرض بدا معاكسًا تمامًا لكلّ ما تمّ تداوله، إذ صدرت عن الإدارة السورية الجديدة إشارات متكرّرة تؤكد أن أولويّاتها مختلفة، وأن لبنان ليس ساحة تدخل عسكري بالنسبة لها في هذه المرحلة.

تحوّلت الحشود العسكرية السورية على الحدود اللبنانية السورية، وخصوصًا الشرقية خلال الأشهر الأخيرة إلى مادة دسمة للتحليلات والتسريبات، حيث قرأها البعض كتمهيد لعملية عسكرية داخل لبنان، فيما ذهب آخرون إلى اعتبارها بداية مرحلة جديدة من الصراع مع “حز..ب اللّه”. إلا أن الوقائع الميدانية، وفق مصادر قريبة من الإدارة السورية الجديدة لـ “نداء الوطن” ترسم صورة مختلفة تمامًا عمّا يتمّ تداوله.

وتقول المصادر إن التعزيزات العسكرية المنتشرة على الحدود لا تهدف إلى التمهيد لأيّ دخول إلى الأراضي اللبنانية، بل تأتي في إطار خطة أمنية واسعة لضبط الحدود التي عاشت طوال سنوات الحرب حالة تفلت غير مسبوقة. فالحدود الشرقية تحوّلت خلال السنوات الماضية إلى معبر مفتوح لعمليات التهريب بمختلف أنواعها، من المحروقات والبضائع إلى السلاح والمخدّرات، إضافة إلى عمليات التسلل التي كانت تحصل ذهابًا وإيابًا بين البلدين.

وبحسب المصادر، فإن أولوية الدولة السورية الجديدة اليوم هي محاربة تجارة المخدّرات ووقف شبكات التهريب التي ازدهرت خلال مرحلة النظام السابق، وتحوّلت إلى اقتصاد موازٍ عابر للحدود. وتعتبر القيادة الجديدة وفق المصادر، أن هذه التجارة لا تقلّ خطورة عن إرث النظام الساقط نفسه، بل تُعامل بوصفها تهديدًا شرعيًا وأخلاقيًا وأمنيًا يطول سوريا والدول العربية معًا، وخصوصًا الخليج العربي الذي كان الوجهة الأساسية لشحنات الكبتاغون خلال السنوات الماضية.

وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت تفكيك شبكة تهريب دولية في رنكوس وضبط نحو مليون حبة كبتاغون قالت إنها قادمة من لبنان الأسبوع الفائت، إضافة إلى توقيف مجموعات مطلع نيسان عملت على نقل المخدّرات عبر الحدود، وإحباط عمليات تهريب في جرود القلمون ورأس المعرة في شباط. وهي خطوات تعكس بوضوح طبيعة الأولويات الأمنية لدى دمشق الجديدة، القائمة على خنق اقتصاد التهريب والمخدّرات، لا فتح معركة عسكرية داخل لبنان.

وتشير المصادر إلى أن هذه التوقيفات دفعت الوحدات العسكرية السورية إلى تكثيف دورياتها ونقاط المراقبة على طول الحدود اللبنانية، ونفذت عمليات أمنية عدّة نجحت من خلالها في إحباط محاولات تهريب وتوقيف متورّطين. كما توسّعت الحملة إلى الداخل السوري، حيث تعمل الأجهزة الأمنية على ملاحقة التجار والشبكات المرتبطة بمهرّبين لبنانيين نشطوا خلال سنوات الحرب، وتمكّنت بالفعل من توقيف عدد منهم في مناطق القلمون الشرقي ورنكوس وغيرها.

ولا تنفي المصادر أن هناك مسارًا موازيًا يتعلّق بتفكيك شبكات مرتبطة بـ “حزب اللّه” داخل سوريا، أو ملاحقة شخصيات متهمة بالمشاركة في أعمال قتل وانتهاكات بحق السوريين خلال سنوات الحرب، سواء من فلول النظام السابق أو من المجموعات التي قاتلت إلى جانبه، ولبنانيين كانوا يقطنون في البلدات اللبنانية الواقعة ضمن الجغرافيا السورية. غير أن ذلك بحسب المصادر نفسها، لا يعني أن دمشق تتجه نحو فتح مواجهة عسكرية مع لبنان أو الدخول إلى أراضيه، بل يندرج في سياق أمني وقضائي تعتبره الدولة الجديدة جزءًا من تثبيت سلطتها وإعادة بناء مؤسّساتها.

وفي ظلّ كلّ ما يُشاع عن نيات توسّعية أو خطوات انتقامية، تبدو أولويات دمشق اليوم مختلفة وأكثر ارتباطًا بالداخل السوري نفسه. فالإدارة الجديدة وفق ما تؤكّد المصادر منشغلة بإعادة بناء الدولة وتثبيت الأمن ومحاربة اقتصاد التهريب والمخدّرات، وترى أن ضبط الحدود ووقف النزيف الأمني يشكلان المدخل الأساسي لاستقرار سوريا، لا فتح جبهات جديدة في لبنان.

عيسى يحيى – “نداء الوطن”

إقرأ أيضاً: بزشكيان: نناضل بوجه الظلم ولن يكون لسياسة الاستعمار والاستغلال مكان

زر الذهاب إلى الأعلى