تقاريرخاص لبنان والعالم

سارة حمّود: الإبادة الجماعية الأرمنية… ألمٌ ينتقل صداه، حتى بعد مرور أكثر من مائة عام!!!

سارة حمّود – خاص “لبنان والعالم

الإبادة الجماعية.. صيغة تصف قمة الجرم اللا إنساني في تاريخ البشرية، وهذا ما يصف الذي تعرض له الأرمن في زمن بطش الدولة العثمانية.

الإبادة الجماعية الأرمنية، ألمٌ لم يزل صداه ينتقل عبر السنين، حتى بعد مرور أكثر من مائة عام على هذه الفاجعة.

تُعتبر الإبادة الجماعية الأرمنية من أولى الإبادات في العصر الحديث بالأخذ بعين الاعتبار الاسلوب المنظم لتلك الإبادة حيث كانت تهدف إلى إزالة الاسم الأرمني من الوجود فيعتبرها العلماء في مجال الإبادات الجماعية ثاني أكبر إبادة وأكثرها تناولا ودراسة بعد الهولوكوست.

وقد تم ابتكار مصطلح إبادة (Genocide) خصيصا لوصف ما تعرض له الشعب الأرمني ولا أدل على فظاعة ما أرتكب بحق الأرمن من المقولة الشهيرة لوزير الداخلية طلعت باشا:

“سوف يتم إفناء وإبادة جميع الأرمن القاطنين في تركيا دون الأخذ بعين الاعتبار لا النساء ولا الأطفال ولا العاجزين. سوف يتم وضع حد نهائي لوجودهم ولا يهم مدى فظاعة الوسائل التي ستستخدم لهذه الغاية ولا يجوز أبدا أن تتحرك مشاعر الشفقة تجاههم”.


نبذة تاريخية عن الجريمة العظمى
عندما تولى السلطان عبد الحميد الثاني الحكم سنة 1876، كانت المطالبات بإصلاحات دستورية قائمة في الدولة العثمانية وبالمساواة بين الملل والعرقيات الخاضعة لحكمها ومنها الأرمن. وقد كان للأرمن مكانة في تركيا، ونفوذ واسع، حيث ضمت الحكومة العثمانية 23 وزيراً منهم.

طرح السلطان عبد الحميد فكرة الجامعة الإسلامية لجمع كل الدول التابعة لحكم العثمانيين، إضافة إلى مكانة روحية تتيح له من جديد السيطرة على دول الولاية العثمانية.

وفي ظل هذا الطرح أصبح الأرمن عنصراً مخالفاً للفكرة والتوجه، وبدأوا في الضغط والمطالبة بإصلاحات في الولايات التي يقيمون ويتركزون فيها، وساندهم في ذلك روسيا التي استغلت مطالبات الأرمن للضغط على العثمانيين لتحقيق أهدافها الخغرافية. كما ضغطت بريطانيا للحصول على مبتغاها، وساندت الأرمن بالفعل وحصلت على ما أرادت.

وبسبب تدخل الروس وتزايد مطالبات الأرمن، نشبت الحرب الروسية العثمانية عام 1877، واستمرت لمدة عام، وانتهت بهزيمة العثمانيين. وبعدها تم توقيع معاهدة سان ستيفانووثم معاهدة برلين، وحصل الأرمن لأول مرة في تاريخهم على المادة 61 التي تقضي بقيام الدولة العثمانية بعمل بإصلاحات في الولايات الأرمينية مع إخطار الدول الكبرى، وظهر لأول مرة هنا مصطلح تدويل القضية الأرمينية.

لم تنفذ الدولة العثمانية نص المادة 61 من معاهدة برلين، واتبع السلطان عبد الحميد سياسة التسويف والمماطلة. ووقتها ظهرت فكرة العمل السياسي العلني وأنشأ الأرمن أحزاباً سياسية للدفاع عن قضيتهم.

خرجت في تركيا فكرة جديدة لجمع ما تبقى من الدولة. فتم اقتراح عمل دولة تركية نقية الدماء والتخلص من كافة الملل الأخرى وتهجيرها. وعقب اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، بدأ العثمانيون تنفيذ الفكرة مستغلين انشغال العالم كله بالحرب. وبدأت حملات تهجير الأرمن قسراً، وأطلقت السلطات كافة المسجونين ممن أطلق عليهم المتوحشون، وشكلت منهم ميليشيات لمرافقة الأرمن المهجرين إلى حلب في سوريا. وخلال تلك الرحلة، ارتكبت أفظع الجرائم الإنسانية”.

سار الآلاف من الأرمن على أقدامهم في ظروف قاسية، دون طعام أو شراب، إلى حلب. وتسابق المتوحشون من الميليشيات العثمانية إلى بقر بطون الحوامل من النساء والرهان على نوع الأجنة في بطونهم، وقتل من يتوقف منهم عن السير طلباً للراحة. ارتكبت المذابح بأبشع أنواعها، وتم رفع المشانق في لساحات العامة، وصلب النساء عاريات في الطرقات. بلغ عدد الضحايا في تلك المذابح مليونا ونصف المليون بحسب الأرقام التي أعلنها الأرمن.

تركيا… نكران رغم الاعتراف

تنفي الجمهورية التركية، الدولة التي خلفت الدولة العثمانية، وقوع المجازر التي تؤكدها الأمم المتحدة؛ وتنفي تركيا تسمية الإبادة الجماعية كمصطلح دقيق لوصف هذه الجرائم. وفي السنوات الأخيرة وجهت دعوات متكررة لتركيا للاعتراف بالأحداث بأنها إبادة جماعية. واعتبارًا من عام 2019، اعترفت 31 دولة رسميًا بأن عمليات القتل الجماعي للأرمن هي إبادة جماعية، ويقبل معظم علماء الإبادة الجماعية والمؤرخين بهذا الرأي. واعترف رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، جو بايدن، مؤخرًّا بالإبادة.

وتَعتبر أغلبية المؤسسات الأكاديمية أن ما قامت به الحكومة العثمانية بحق الأرمن يرتقي إلى الإبادة الجماعية ومن بين هذه المؤسسات الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية، والتي أصدرت في 2007 ثلاثة اعترافات تشمل أيضاً المذابح بحق الآشوريين والمذابح بحق اليونانيين البنطيين والتي قامت بها الحكومة العثمانية على أنها إبادة جماعية.

الأرمن في لبنان
في حديث مع المواطن أندريه غارابد، يقول أن الأرمن في لبنان لا يقل انتماءهم لـ “لبنان” عن انتماءهم لـ “أرمينيا”. فهم يعتبرون “أرمينيا” هي الوطن الأم وأن “لبنان” هو هو الوطن الأب الذي احتضنهم. وأضاف أنهم يصرّون على التسمية “لبنانيون من أصول أرمنية” وليس فقط أرمن.

وفي سؤالنا له عن كيف يقومون بإحياء هذه الذكرى، يقول أندريه أن في ليل ٢٤ نيسان، تضاء الشموع على الشرفات ويقيمون الصلاة في الكنائس حزناً على أرواح الشهداء، ويجددون العهد أنهم لن ينسوا هذه الذكرى الأليمة مهما مر من سنين وأنهم لن يسمحوا بتكرار هذه الفاجعة.

وأضاف أيضاً أنهم يثقفون الأطفال في المدارس عن تاريخهم وعن هذه الحادثة وهناك مواقع إلكترونية تتحدث عن التاريخ الأرمني ووسائل التواصل الإجتماعي. وهذه طرق تعمل على إبقاء الذكرى، تماشيًا مع الأجيال الجديدة، وإصرارًا على الوصول إلى هدفهم بجعل تركيا تعترف بهذه الإبادة.

زر الذهاب إلى الأعلى